فصل: 153 محمد بن عبد الله أبو بكر الصيرفى

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: طبقات الشافعية الكبرى **


130 محمد بن الحسن بن محمد بن زياد بن هارون بن جعفر بن سند أبو بكر النقاش الموصلى ثم البغدادى

الإمام فى القراءات والتفسير وكثير من العلوم

ولد سنة ست وستين ومائتين

وعنى بالقراءات من صغره فقرأ على جماعة

وطاف فى الأمصار وجال فى البلاد

وحدث عن أبى مسلم الكجى وإسحاق بن سنين الختلى ومحمد بن على الصائغ والحسن بن سفيان وغيرهم

روى عنه ابن مجاهد وهو من شيوخه وجعفر الخلدى وابن شاهين وأبو أحمد الفرضى وأبو على ابن شاذان وغيرهم

ومن تصانيفه كتاب شفاء الصدور فى التفسير وفيه موضوعات كثيرة

وثقة أبو عمرو الدانى وقبله وزكاه وضعفه قوم مع الاتفاق على جلالته فى العلم

ولنذكر أحاديث مما كانت سبب الكلام فيه

فمنها أنه قال حدثنا أبو غالب ابن بنت معاوية بن عمرو واسمه على بن أحمد حدثنا جدى معاوية عن زائدة عن ليث عن مجاهد عن ابن عمر قال قال رسول الله ‏(‏ إن الله لا يقبل دعاء حبيب على حبيبه ‏)‏

قال الدارقطنى أنكرت هذا على النقاش وقلت له إن أبا غالب ليس بابن بنت معاوية وإنما أخوه لأبيه محمد هو ابن بنت معاوية ومعاوية وزائدة ثقتان وهذا حديث موضوع فرجع عنه

قال أبو بكر الخطيب لا أعرف وجة قول الدارقطنى فى أبى غالب أنه ليس بابن بنت معاوية لأن أبا غالب يذكر أن معاوية جده وقد رواه أبو على الكوكبى عن أبى غالب عن جده معاوية بن عمرو فذكره

قلت فليس فيه ما يقتضى جرحا فى أبى بكر النقاش ولله الحمد

ومنها قال النقاش حدثنا يحيى بن محمد المدينى حدثنا إدريس بن عيسى القطان عن شيخ له ثقة عن الثورى عن قابوس بن أبى ظبيان عن أبيه عن ابن عباس

131 محمد بن الحسن الطبرى أبو جعفر الفقيه

قال حمزة السهمى إنه كان فقيها يفتى على مذهب الشافعى وإنه توفى سنة ثلاث وعشرين وثلاثمائة

132 محمد بن الحسين بن إبراهيم بن عاصم بن عبد الله الآبرى أبو الحسين السجستانى

مصنف كتاب مناقب الشافعى

وآبر من قرى سجستان وكتابه هذا المناقب من أحسن ما صنف فى هذا النوع وأكثره أبوابا فإنه رتبه على خمسة وسبعين بابا فلا أكثر أبوابا منه إلا كتاب القراب فإن أبواب تنيف على المائة

وللآبرى فى طلب الحديث رحلة واسعة

سمع أبا العباس السراج وابن خزيمة وأبا عروية الحرانى وزكرياء بن أحمد البلخى ومكحولا البيروتي وآخرين

روى عنه على بن بشرى ويحيى بن عمار السجستانيان وغيرهما

ومن عجيب ما رأيت فى كتابه مناقب الشافعى أنه عد بشرا المريسى فى أصحاب الشافعى وليس بشر من أصحاب الشافعى بل من أعدائه لأنه لم يتبعه على رأيه بل خالف وعاند وقد قال هو أعنى الآبرى فى هذا الكتاب إنه من أهل الإلحاد

وروى في كتابه أن ابن عباس رضي الله عنهما سئل عن سبب تسمية قريش قريشا فقال قريش حوت فى البحر يغلب الحيتان ويقهرهم وهو أكبر دواب البحر ويصطاد الحيتان وسائر دواب البحر فيأكلها فلذلك سميت قريش قريشا لأنها أغلب الناس وأشجعهم

قلت ويقال إن فى البحر شيئا يقال له القرش يفترس الآدمى وقد تكلمت على حل أكله فى كتابى التوشيح فلعل اسمه قريش وهو هذا وإنما غلطت العامة فقالت له القرش

وفى هذه المناقب أيضا أن حرملة قال سمعت الشافعى رضى الله عنه يقول من زعم من أهل العدالة أنه يرى الجن أبطلنا شهادته لقوله تعالى ‏{‏إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لاَ تَرَوْنَهُمْ‏}‏ إلا أن يكون الزاعم نبيا

توفى الآبرى فى شهر رجب سنة ثلاث وستين وثلاثمائة

133 محمد بن الحسين بن داود بن على بن الحسين بن عيسى بن محمد بن القاسم ابن الحسن بن زيد بن الحسن بن على بن أبى طالب السيد أبو الحسن بن أبى عبد الله الحسنى النقيب

جد النقباء بنيسابور رضى الله عنه وعن أسلافه

كذا ساق نسبه الحاكم وأثنى عليه وقال شيخ الشرف فى عصره ذو الهمة العالية والعبادة الظاهرة والسجايا الطاهرة

قال وكان يسأل التحديث فيأبى ثم أجاب آخرا وعقد له الحاكم مجلس الإملاء وانتقى عليه ألف حديث فحدث

قال وكان يعد فى مجالسه ألف محبرة

توفى رحمه الله فجأة

134 محمد بن الحسين بن عبد الله أبو بكر الأجرى

الفقيه المحدث صاحب المصنفات منها الأربعون فى الحديث وقعت لنا بإسناد عال

سمع أبا مسلم الكجى وأبا شعيب الحرانى وجعفر بن محمد الفريابى وأحمد بن يحيى الحلوانى وغيرهم

روى عنه أبو الحسن الحمامى وأبو الحسين بن بشران والحافظ أبو نعيم الأصبهانى وغيرهم

وكان مقيما بمكة شرفها الله وبها توفى بالمحرم سنة ستين وثلاثمائة

قال ابن خلكان أخبرنى بعض أهل العلم أنه لما دخل مكة أعجبته فقال اللهم ارزقنى الإقامة بها سنة فسمع هاتفا يقول بل ثلاثين سنة فعاش بعد ذلك ثلاثين سنة

135 محمد بن خفيف بن إسفكشاد الشيرازى الشيخ أبو عبد الله بن خفيف

شيخ المشايخ وذو القدم الراسخ فى العلم والدين كان سيدا جليلا وإماما حفيلا يستمطر الغيث بدعائه ويؤوب المصر بكلامه من أعلم المشايخ بعلوم الظاهر وممن اتفقوا على عظيم تمسكه بالكتاب والسنة

وكانت له أسفار وبدايات وأحوال عاليات ورياضات لقى من النساك شيوخا ومن السلاك طوائف رسخ قدمهم فى الطريق رسوخا وصحب من أرباب الأحوال أحبارا وأخيارا وشرب من منهل الطريق كاسات كبارا وسافر مشرقا ومغربا وصابر النفس حتى انقادت له فأصبح مبنى الثناء عليها معربا صبر على الطاعة لا يعصيه فيه قلبه واستمرار على المراقبة شهيده عليه ربه وجنب لا يدرى القرار ونفس لا تعرف المأوى إلا البيداء ولا المسكن إلا القفار

كان ابن خفيف من أولاد الأمراء فتزهد حتى قال كنت أذهب وأجمع الخرق من المزابل وأغسله وأصلح منه ما ألبسه

حدث عن حماد بن مدرك والنعمان بن أحمد الواسطى ومحمد بن جعفر التمار والحسين المحاملى وجماعة

وصحب رويما والجريرى وطاهر المقدسى وأبا العباس بن عطاء

ولقى الحسين بن منصور

وروى عنه أبو الفضل محمد بن جعفر الخزاعى والحسين بن حفص الأندلسى ومحمد بن عبد الله بن باكويه والقاضى أبو بكر بن الباقلانى شيخ الأشعرية وطائفة رحل ابن خفيف إلى الشيخ أبى الحسن الأشعرى وأخذ عنه وهو من أعيان تلامذته

قال الحافظ أبو نعيم كان شيخ الوقت حالا وعلما

قال وهو الخفيف الظريف له الفصول فى الأصول والتحقق والتثبت فى الوصول

وقال أبو العباس النسوي بلغ ما لم يبلغه أحد من الخلق فى العلم والجاه عند الخاص والعام وصار أوحد زمانه مقصودا من الآفاق مفيدا فى كل نوع من العلوم مباركا على من يقصده رفيقا بمريديه يبلغ كلامه مراده وصنف من الكتب ما لم يصنفه أحد وعمر حتى عم نفعه

وحكى عنه أنه قال كنت فى ابتدائي بقيت أربعين شهرا أفطر كل ليلة بكف باقلا فمضيت يوما وافتصدت فخرج من عرقى شبيه ماء اللحم وغشى على فتحير الفصاد وقال ما رأيت جسدا بلا دم إلا هذا

وروى عنه أنه قال ما سمعت شيئا من سنن النبى إلا استعملته حتى الصلاة على أطراف الأصابع وأنه ضعف فى آخر عمره عن القيام فى النوافل فجعل بدل كل ركعة من أوراده ركعتين قاعدا للخبر ‏(‏ صلاة القاعد على النصف من صلاة القائم ‏)‏

وقال مرة ما وجبت على زكاة الفطر أربعين سنة مع مالى من القبول العظيم بين الخاص والعام

وعنه ربما كنت أقرأ فى ابتداء عمرى القرآن كله فى ركعة واحدة وربما كنت أصلى من الغداة إلى العصر ألف ركعة

وعنه وسئل عن فقير يجوع ثلاثة أيام فيخرج ويسأل بعد ذلك مقدار كفايته أيش يقال له فقال يقال له مكد ثم قال كلوا واسكتوا فلو دخل فقير فى هذا الباب لفضحكم

وكان إذا أراد أن يخرج إلى صلاة الجمعة يفرق كل ما عنده من ذهب وفضة وغير ذلك ويخرج فى كل سنة جميع ما عنده ويخرج من الثياب حتى لا يبقى عنده ما يخرج به إلى الناس

وقال بعض أصحابه أمرنى ابن خفيف أن أقدم كل ليلة إليه عشر حبات زبيب لإفطاره قال فأشفقت عليه ليلة فجعلتها خمس عشرة حبة فنظر إلى وقال من أمرك بهذا وأكل منها عشر حبات وترك الباقى

وقال ابن خفيف سمعت أبا بكر الكتانى يقول سرت أنا وأبو العباس ابن المهتدى وأبو سعيد الخراز فى بعض السنين وضللنا عن الطريق والتقينا بحيرة فبينا نحن كذلك إذا بشاب قد أقبل وفى يده محبرة وعلى عنقه مخلاة فيها كتب فقلنا له يا فتى كيف الطريق فقال لنا الطريق طريقان فما أنتم عليه فطريق العامة وما أنا عليه فطريق الخاصة ووضع رجله فى البحر وعبره

وحكى عن ابن خفيف قال دخلت بغداد قاصدا للحج وفى رأسى نخوة الصوفية ولم آكل أربعين يوما ولم أدخل على الجنيد وخرجت ولم أشرب وكنت على طهارتى فرأيت ظبيا فى البرية على رأس بئر وهو يشرب وكنت عطشان فلما دنوت من البئر ولى الظبى وإذا الماء فى أسفل البئر فمشيت وقلت يا سيدى مالى عندك محل هذا الظبى فسمعت من خلفى يقول جربناك فلم تصبر ارجع فخذ الماء إن الظبى جاء بلا ركوة ولا حبل وأنت جئت مع الركوة والحبل فرجعت فإذا البئر ملآن فملأت ركوتى وكنت أشرب منها وأتطهر إلى المدينة ولم ينفد الماء فلما رجعت من الحج دخلت الجامع فلما وقع بصر الجنيد على قال لو صبرت لنبع الماء من تحت قدمك لو صبرت ساعة

قلت قوله نخوة الصوفية يعنى شدة المجاهدة والذى يقع لى فى هذه الحكاية أنها منبهة له من الله على الأخذ فى طريق التوكل وطرح الأسباب وهذا يقع كثيرا لأرباب العنايات من الله تعالى فى أثناء المجاهدات يقيض الله تعالى لهم منبها من صوت يسمع أو إشارة تحس أو أنحاء ذلك يدلهم على مراد الله تعالى منهم أو غير ذلك عناية بهم فقيض الله تعالى هذا الظبى منبها له ثم أكده بكلام الجنيد له آخرا عند عوده من الحج

وكذلك أقول فى الحكاية قبلها إن ذاك الشاب قد يكون قدره الله تعالى ذلك الوقت اعتناء بابن خفيف ورفيقيه لئلا تعظم أنفسهم عليه فأحب الله تعالى أن يعرفهم أن فى عباده شابا وصل إلى ما لم يصلوا إليه وهو رآهم على طريق العامة وهذا من العناية بهم

وكذا أقول فى الحكاية التى قدمتها فى ترجمة الجنيد فى شأنه مع تلك المرأة التى أنشدته

لولا التقى لم ترنى ** أهجر طيب الوسن

وحكى أن أبا عبد الله بن خفيف ناظر بعض البراهمة فقال له البرهمى إن كان دينك حقا فتعال أصبر أنا وأنت عن الطعام أربعين يوما فأجابه ابن خفيف فعجز البرهمى عن إكمال المدة المذكورة وأكملها ابن خفيف وهو طيب مسرور

وأن برهميا آخر ناظره ثم دعاه إلى المكث معه تحت الماء مدة فمات البرهمى قبل انتهاء المدة وصبر الشيخ إلى أن انتهت وخرج سالما لم يظهر عليه تغير

وعن ابن خفيف خرجت من مصر أريد الرملة للقاء أبى على الروذبارى فقال لى عيسى بن يوسف المصرى المغربى الزاهد إن شابا وكهلا قد اجتمعا على حال المراقبة فلو نظرت إليهما لعلك تستفيد منهما فدخلت إلى صور وأنا جائع عطشان وفى وسطى خرقة وليس على كتفى شيء فدخلت المسجد فإذا اثنان مستقبلا القبلة عليهما فما أجابانى فسلمت ثانيا وثالثا فلم أسمع الجواب فقلت ناشدتكما الله إلا رددتما على السلام فرفع الشاب رأسه من مرقعته فنظر إلى ورد السلام وقال لى يا ابن خفيف الدنيا قليل وما بقى من القليل إلا القليل فخذ من القليل الكثير يا ابن خفيف ما أقل شغلك حتى تفرغت إلى لقائنا فأخذ كليتى فنظر إلى وطأطأ رأسه فى المكان فبقيت عنده حتى صلينا الظهر والعصر فذهب جوعى وعطشى ونصبى فلما كان وقت العصر قلت له عظنى فقال يا ابن خفيف نحن أصحاب المصائب ليس لنا لسان لعظة

فبقيت عندهما ثلاثة أيام لا آكل ولا أشرب ولا أنام ولا رأيتهما أكلا ولا شربا ولا ناما فلما كان فى اليوم الثالث قلت فى سرى أحلفهما أن يعظانى لعلى أنتفع بعظتهما فرفع الشاب رأسه فقال لى يا ابن خفيف عليك بصحبة من تذكرك الله تعالى رؤيته وتقع هيبته على قلبك فيعظك بلسان قوله والسلام قم عنا

وعن ابن خفيف قدم علينا بعض أصحابنا فاعتل بعلة البطن فكنت أخدمه وآخذ منه الطست طول الليل فغفوت مرة فقال لى نمت لعنك الله

فقيل له كيف وجدت نفسك عند قوله لعنك الله قال كقوله رحمك الله

وعن ابن خفيف أنه كان به وجع الخاصرة فكان إذا أخذه أقعده عن الحركة فكان إذا أقيمت الصلاة يحمل على الظهر إلى المسجد فقيل له لو خففت عن نفسك قال إذا سمعتم حى على الصلاة ولم ترونى فى الصف فاطلبونى فى المقابر

وعن ابن خفيف تهت فى البادية فما رجعت حتى سقط لى ثمانية أسنان وانتثر شعرى ثم وقعت إلى فيد وأقمت بها حتى تماثلت وصححت ثم زرت القدس فنمت إلى جانب دكان صباغ وبات معى فى المسجد رجل به قيام فكان يدخل ويخرج إلى الصباح

فلما أصبحنا صاح الناس وقال نقب دكان الصباغ وسرقت فجرونى وضربونى وقالوا تكلم فاعتقدت التسليم فكانوا يغتاظون من سكوتى فحملونى إلى دكان الصباغ وكان أثر رجل اللص فى الرماد فقالوا ضع رجلك فيه فوضعت فكان على قدر رجلى فزادهم غيظا

وجاء الأمير ونصب القدر وفيها الزيت يغلى وأحضرت السكين ومن يقطع اليد فرجعت إلى نفسى فإذا هى ساكنة فقلت إن أرادوا قطع يدى سألتهم أن يعفوا يمينى لأكتب بها

فبقى الأمير يهددنى ويصول فنظرت إليه فعرفته وكان مملوكا لوالدى فكلمنى بالعربية وكلمته بالفارسية فنظر إلى وقال أبو الحسين وكنت أكنى بها فى صباى

فضحكت فعرفنى فأخذ يلطم رأسه ووجهه واشتغل الناس به وإذا بضجة عظيمة وأن اللص قد مسك

ثم أخذ الأمير يبالغ فى الاعتذار وجهدنى أن أقبل شيئا فأبيت وهربت

توفى ابن خفيف ليلة ثالث رمضان سنة إحدى وسبعين وثلاثمائة وازدحم الخلق على جنازته وكان أمرا عظيما وصلى عليه نحوا من مائة مرة

وقيل إنه عاش مائة سنة وأربع سنين

وقيل مائة إلا خمس سنين ولعله الأصح

ومن كلماته والفوائد والمحاسن عنه

قال التقوى مجانبة ما يبعدك من الله

وقال التوكل الاكتفاء بضمانه وإسقاط التهمة عن قضائه

وقال ليس شيء أضر بالمريد من مسامحة النفس فى ركوب الرخص وقبول التأويلات وقال اليقين تحقق الأسرار بأحكام المغيبات

وقال المشاهدة اطلاع القلب بصفاء اليقين إلى ما أخبر الحق عن الغيب

وقال السكر غليان القلب عند معارضات ذكر المحبوب

وقال الزهد البرم بالدنيا ووجود الراحة فى الخروج منها

وقال القرب طى المسافات بلطيف المداناة

وقال مرة أخرى وسئل عن القرب قربك منه بملازمة الموافقات وقربه منك بدوام التوفيق

وقال الوصلة من اتصل بمحبوبه عن كل شيء وغاب عن كل شيء سواه

وقال الدنف من احترق فى الأشجان ومنع من بث الشكوى

وقال الانبساط الاحتشام عند السؤال

ودخل عليه فقير فشكى إليه أن به وسوسة فقال عهدى بالصوفية يسخرون من الشيطان فالآن الشيطان يسخر بهم

وقيل له متى يصح للعبد العبودية فقال إذا طرح كله على مولاه وصبر معه على بلواه

وسئل عن إقبال الحق على العبد فقال علامته إدبار الدنيا عن العبد

وسئل عن الذكر فقال المذكور واحد والذكر مختلف ومحل قلوب الذاكرين متفاوتة وأصل الذكر إجابة الحق من حيث اللوازم لقوله ‏(‏ من أطاع الله فقد ذكر الله وإن قلت صلاته وصيامه وتلاوته ‏)‏ ثم ينقسم الذكر قسمين ظاهرا وباطنا فالظاهر التهليل والتحميد والتمجيد وتلاوة القرآن والباطن تنبيه القلوب على شرائط التيقظ على معرفة الله وأسمائه وصفاته وأفعاله ونشر إحسانه وإمضاء تدبيره ونفاذ تقديره على جميع خلقه ثم يقع ترتيب الأذكارعلى مقادير الذاكرين فيكون ذكر الخائفين على مقدار قوارع الوعيد وذكر الراجين على ما استبان لهم من موعده وذكر المخبتين على قدر تصفح النعماء وذكر المراقبين على قدر العلم باطلاع الله تعالى إليهم وذكر المتوكلين على ما انكشف لهم من كفاية الكافى لهم وذلك مما يطول ذكره ويكثر شرحه فذكر الله تعالى منفرد وهو ذكر المذكور بانفراد أحديته عن كل مذكور سواه لقوله عن ربه ‏(‏ من ذكرنى فى نفسه ذكرته فى نفسى ‏)‏ والأصل إفراد النطق بألوهيته لقوله ‏(‏ أفضل الذكر لاإله إلا الله ‏)‏

وعن ابن خفيف الغنى الشاكر هو الفقير الصابر

وعنه التصوف تصفية القلب عن موافقة البشرية ومفارقة الطبيعة وإخماد صفات البشرية ومجانبه الدعاوى النفسانية ومنازلة الصفات الروحانية والتعلق بعلوم الحقيقة واستعمال ما هو أولى على السرمدية والنصح لجميع الأمة والوفاء لله تعالى على الحقيقة واتباع الرسول فى جميع الشريعة

قال أبو نصر عبد الله بن على الطوسي السراج فى كتاب اللمع له فى التصوف عن الشبلى أنه سئل عن معنى قوله تعالى ‏{‏وَمَكَرُواْ وَمَكَرَ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ‏}‏ قد علمت موضع مكرهم فما موضع مكر الله فقال تركهم على ماهم فيه ولو شاء أن يغير لغير

قال فشهد الشبلى فى السائل أنه لم يغنه جوابه فقال أما سمعت بفلانة الطبرانية فى ذلك الجانب تغنى وتقول

ويقبح من سواك الفعل عندى ** وتفعله فيحسن منك ذاكا

قال السراج وصاحب المسألة والسؤال أبو عبد الله ابن خفيف

وعن ابن خفيف سألنا يوما القاضى أبو العباس ابن سريج بشيراز وكنا نحضر مجلسه لدرس الفقه فقال لنا محبة الله فرض أو غير فرض

قلنا فرض

قال وما الدلالة على ذلك

فما فينا من أتى بشيء فقبل فرجعنا إليه وسألناه الدليل فقال قوله تعالى ‏{‏قُلْ إِن كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَآؤُكُمْ‏}‏ إلى قوله ‏{‏أَحَبَّ إِلَيْكُم مِّنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُواْ حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ‏}

قال فتوعدهم الله عز وجل على تفضيل محبتهم لغيره على محبته ومحبة رسوله والوعيد لا يقع إلا على فرض

قلت ومثل هذا الدليل فى الدلالة على محبة النبى قوله ‏(‏ لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من نفسه وأهله وماله وولده والناس أجمعين ‏)‏

أخبرنا أبو عبد الله الحافظ إذنا خاصا قال حدثنا أبو المعالى الأبرقوهى أخبرنا عمر بن كرم ببغداد أخبرنا أبو الوقت السجزى حدثنا عبد الوهاب بن أحمد الثقفى أخبرنا محمد بن عبد الله بن باكويه أخبرنا محمد بن خفيف الضبى إملاء قال قرئ على حماد بن مدرك وأنا أسمع أخبرنا عمرو بن مرزوق حدثنا شعبة عن أبى عمران الجونى عن عبد الله بن الصامت عن أبى ذر قال قال رسول الله ‏(‏ إذا صنعت قدرا فأكثر مرقها وانظر أهل بيت من جيرانك فأصبهم بمعروف ‏)‏

وهذا فصل عن ابن خفيف يتضمن رحلته إلى الشيخ أبى الحسن الأشعرى رحمه الله رضى عنه

قال الإمام الجليل ضياء الدين الرازى أبو الإمام فخر الدين رحمهما الله فى آخر كتابه غاية المرام فى علم الكلام حكى عن الشيخ أبى عبد الله بن خفيف شيخ الشيرازيين وإمامهم فى وقته رحمه الله أنه قال دعانى أرب وحب أدب ولوع ألب وشوق غلب وطلب ياله من طلب أن أحرك نحو البصرة ركابى فى عنفوان شبابى لكثرة ما بلغنى على لسان البدوى والحضرى من فضائل شيخنا أبى الحسن الأشعرى لأستسعد بلقاء ذلك الوحيد وأستفيد مما فتح الله تعالى عليه من ينابيع التوحيد إذ حاز فى ذلك الفن قصب السباق وكان ممن يشار إليه بالأصابع فى الآفاق وفاق الفضلاء من أبناء زمانه واشتاق العلماء إلى استماع بيانه وكنت يومئذ لفرط اللهج بالعلم واقتباسه والطمع فى تقمص لباسه أختلف إلى كل من جل وقل وأستسقى الوابل والطل وأتعلل بعسى ولعل فأخذت إليه أهبة السير وخفقت إليه خفوق الطير حتى حللت ربوعها وارتبعت ربيعها فوجدتها على ما تصفها الألسن وتلذ الأعين لطيفة المكان طريفة للسكان ترغب الغريب فى الاستيطان وتنسيه هوى الأوطان فألقيت بها الجران وألفيت أهلها الجيران فلما أنخت بمعناها وتنسيه هوى الأوطان فألقيت بها الجران وألفيت أهلها الجيران فلما أنخت بمغناها الخصيب فأصبت من مرعاها بنصيب كنت أرود فى مسارح لمحاتى ومسابح غدواتى وروحاتى أحدا يشفى أوامى ويرشدنى إلى مرامى حتى أدتنى خاتمة المطاف وهدتنى فاتحة الألطاف إلى شيخ بهى منظره شهى مخبره تعلوه حمرة متحبب إلى زمرة فلمحته ببصرى وأمعنت فيه نظرى فرحت به فرحة الحبيب بالحبيب والعليل بالطبيب لما وجدت منه ريح المحبوب كما وجد من قميص يوسف يعقوب على ما قال ‏(‏ الأرواح جنود مجندة فما تعارف منها ائتلف وما تناكر منها اختلف ‏)‏ فناجانى فكرى بالإقدام إليه وتقاضانى قلبى بالسلام عليه فاهتززت لذلك اهتزاز المحبين إذا التقيا بعد البين وحييته تحية محترز عن القدرى واستخبرته عن مغنى أبى الحسن الأشعرى فرد على السلام بأوفر الأقسام وأجزل السهام وأجابنى بلسان ذلق ووجه طلق كهيئة المفيد ما الذى منه تريد فقلت قد بلغنى ذكراه تقت أن ألقاه لأحيا بمحياه وأطيب برياه وأستسعد بلقياه وأستفيد نفائس أنفاسه جداه وجدواه واحر قلباه وواشدة شوقاه عسى الله أن يجمعنى وإياه فلما رأى الشيخ أن شغف الحب زادى فى سفرى وعتادى فى حضرى وملك خلدى واستنفد جلدى وأن الشوق قد بلغ المدى واللوع قد جاوز الحدا قال ابتكر إلى موضع قدمى هاتين غدا فبذلت القياد وفارقت على الميعاد وبت أساهر النجوم وأساور الوجوم وما برح الحب سمير ذكرى ونديم فكرى يستعر استعارا ويلتهب بين ضلوعى نارا إلى أن نضى الليل جلبابه وسلب الصبح خضابه فلما رأيت الليلة قد شابت ذوائبها وذابت شوائبها وذر قرن الغزالة وثبت وثبة الغزالة وبرزت أنشد للشيخ البهى وأتوسم الوجوه بالنظر الجلى فألفيته فى المقام الموعود متنكرا واقفا لى منتظرا فدلفت إليه لأقضى حق السلام عليه فلما رآنى سبقنى بالسلام وحفى للأقدام فقضيت الذمام وقرنت رد جوابه بالاستلام وقلت حييت بالإكرام وحييت بين كرام ثم استصحبنى وسار فتبعته متابعة العامة أولى الأبصار حتى انتهى إلى المقصد ودخل دار بعض وجوه البلد وفيها قد حضر جماعة للنظر فلما رآه القيام تسارعوا إلى القيام واستقبلوه إلى الباب وتلقوه بالترحاب وبالغوا بالسلام وما يليق به من الإكرام ثم عظموه وإلى الصدر قدموه وأحاطوا به إحاطة الهالة بالقمر والأكمام بالثمر ثم أخذ الخصام يتجاذبون فى المناظرة أطراف الكلام وكنت أنظر من بعيد متكئا على حد سعيد حتى التقى الجمع بالجمع وقرع النبع بالنبع فبينما هم يرمون فى عمايتهم ويخبطون فى غوايتهم إذ دخل الشيخ دخول من فاز بنهزة الطالب وفرحة الغالب بلسان يفتق الشعور ويفلق الصخور وألفاظ كغمزات الألحاظ والكرى بعد الاستيقاظ أرق من أديم الهواء وأعذب من زلال الماء ومعان كأنها فك عان وبيان كعتاب الكعاب ووصل الأحباب فى أيام تفيد الصم بيانا وتعيد الشيب شبانا تهدى إلى الروح روح الوصال وتهب على النفوس هبوب الشمال وكان إذا أنشا وشى وإذا عبر حبر وإذا أوجز أعجز وإذا أسهب أذهب فلم يدع مشكلة إلا أزالها ولا معضلة إلا أزاحها ولا فسادا إلا أصلحه ولا عنادا إلا زحزحه حتى تبين الحى من اللى والرشد من الغى ورفل الحق فى أذياله واعتدل باعتداله وأقبل عليه الخاصة والعامة بإقباله فلما فرغ من إنشاء دلالته بعد جولانه فى هيجاء البلاغة عن بسالته حار الحاضرون فى جوابه وتعجبوا من فصل خطابه وعاد الخصوم كأنهم فراش النار وخشاش الأبصار وأوباش الأمصار عليهم الدبرة وعلى وجوههم الغبرة قلت لبعض الحاضرين من المناظرين من هذا الذى آثر اختلاب القلوب ونظم على هذا الأسلوب الذى لم ينسج على منواله ولم تسمح قريحة بمثاله أجابنى وقال هو الباز الأشهب والمبارز الأشنب والبحر الطامى والطود السامى والغيث الهامى والليث الحامى ناصر الحق وناصح الخلق قامع البدعة ولسان الحكمة وإمام الأمة وقوام الملة ذو الرأى الوضى والرواء المرضى ذو القلب الذكى والنسب الزكى السرى ابن السرى والنجد الجرى والسند العبقرى أبو الحسن الأشعرى فسرحت طرفى فى ميسمه وأمعنت النظر فى توسمه متعجبا من تلهب جذوته وتألق جلوته دعوت له بامتداد الأجل وارتداد الوجل فبينا أنا فيه إذ شمر للانثناء بعد حيازة الثناء وشحذ للتحفز غرار عزمته وخرج يقتاد القلوب بأزمته فتبعته مقتفيا كخدمه ومنتهجا مواطئ قدمه فالتفت إلى وقال يا فتى كيف وجدت أبا الحسن حين أفتى فهرولت لالتزام قده واستلام يده وقلت

ومسحل مثل حد السيف منصلت ** تزل عن غربه الألباب والفكر

طعنت بالحجة الغراء جيلهم ** ورمح غيرك منه العى والحصر

لا قام ضدك ولا قعد جدك ولافض فوك ولا لحقك من يقفوك فوالذى سمك السماء وعلم آدم الأسماء لقد أبديت اليد البيضاء وسكنت الضوضاء وكشفت الغماء ولحنت الدهماء وقطعت الأحشاء وقمعت البدع والأهواء بلسان عضب وبيان عذب آنس من الروض الممطور والموشى المنشور وأصفى من در الأمطار وذر البحار وجررت ذيل الفخار على هامة الشعرى وقدما قيل إن من البيان لسحرا بيد أنه قد بقى لى سؤال لما عرانى من الإشكال فقال اذكر سؤالك ولا تعرض عما بدا لك فقلت رأيت الأمر لم يجر على النظام لأنك ما افتتحت فى الكلام ودأب المناظر ألا يسأل غيرك ومثلك حاضر قال أجل لكنى فى الابتداء لا أذكر الدليل ولا أشتغل بالتعليل إذ فيه تسبب إلى الجاء الخصم فى ذكر شبهه بطريق الاعتراض وما أنا بالتسبب إلى المعصية راض فأمهله حتى يذكر ضلالته ويفرد شبهته ومقالته فحينئذ نص على الجواب فأرجو بذلك من الله الثواب

قال الراوى فلما رأيت مخبره بعد أن سمعت خبره تيقنت أنه قد جاوز الخبر الخبر وأن مقالته تبر وما دونه صفر قد بلغ من الديانة أعلى النهاية وأوفى من الأمانة على كل غاية وأنه هو الذى أومأ إليه الكتاب والسنة بحيازة هذه المنة فى نصر الحق ونصح الخلق وإعلاء الدين والذب عن الإسلام والمسلمين فشاذ لى من الاعتداد بأوفر الأعداد وأودع بياض الوداد سواد الفؤاد فتعلقت بأهدابه لخصائص آدابه ونافست فى مصافاته لنفائس صفاته ولبثت معه برهة أستفيد منه فى كل يوم نزهة وأدرأ عن نفسى للمعتزلة شبهة ثم ألفيت مع علو درجته وتفاقم مرتبته كان يقوم بتثقيف أوده من كسب يده من اتخاذ تجارة للعقاقير معيشة والاكتفاء بها عيشة اتقاء الشبهات وإبقاء على الشهوات رضا بالكفاف وإيثارا للعفاف

136 محمد داود بن سليمان بن سيار أبو بكر بن بيان

مات لثلاث بقين من جمادة الآخرة سنة ست وثلاثين وثلاثمائة

137 محمد بن سعيد بن محمد بن عبد الله بن أبى القاضى الإمام الكبير أبو أحمد

من تلامذة أبى إسحاق المروزى وأبى بكر الصيرفى وطبقتهما

وبيت أبى القاضى بخوارزم بيت شهير

وهو صاحب كتاب الحاوى وكتاب العمد القديمين فى الفقه ومنه أخذ الماوردى والفورانى الاسمين

قال صاحب الكافى أبو أحمد إمام كبير أحد مفاخر خوارزم والمشار إليه فى زمانه بالتقدم على أقرانه لم يكن أحد من آل القاضى فى عهده أفضل ولا أفقه ولا أكرم منه

قال وآل أبى القاضى أعز بيت وأشرفه بخوارزم وأجمع لخصال الخير وأطنب فى وصف البيت بعبارة طويلة

ثم قال وأبو أحمد سيدهم أو ما هذا معناه

ثم ذكر أن بعضهم كان يقول يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم عليه السلام الكريم بن الكريم بن الكريم بن الكريم ومحمد بن سعيد بن محمد بن عبد الله العالم بن العالم بن العالم بن العالم كلهم علماء أتقياء

ذكر صاحب الكافى هذا المعنى لكن بعبارة لم أستحسن حكايتها

ثم قال خرج إلى العراق فتفقه على أبى إسحاق المروزى والصيرفى وطبقتهما ثم رجع إلى خوارز وأقبل على التدريس والتذكير والتصنيف فى أنواع العلوم

وأطنب فى وصفه بالعلم والدين إلى أن قال وكان عارفا بمذاهب علماء السلف والخلف أصولا وفروعا رقيق القلب بكاء منكبا فى التذكير صنف فى الأصول كتاب الهداية وهو كتاب حسن نافع كان علماء خوارزم يتداولونه وينتفعون به وصنف فى الفروع كتاب الحاوى بناه على الجامع الكبير لأبى إبراهيم المزنى وكتاب الرد على المخالفين وكتبا أخر كثيرة

قال أبو سعيد الكرابيسى وكانت له صدقات يتصدق بها فى السر حدثنى بعض أصحابنا أنه كان يعطيه مالا ويقول اذهب إلى الوادى وقف على شطه حين كان يجمد ففرقه على الضعفاء الذي يحملون الحطب على عواتقهم ويسعون فى نفقة عيالهم

قال ثم خرج إلى الحج سنة اثنتين وأربعين وثلاثمائة فجاور بمكة حتى قضى الصلوات التى صلاها بخوارزم فى الخفاف والفراء التى اختلف العلماء فى الصلاة معهما ثم انصرف إلى بغداد فمال الخلق إليه واجتمعوا عليه وصنف بها كتاب العمد وسألوه المقام بها فأبى إلا الرجوع إلى وطنه فرجع إلى خوارزم واستقر بها إلى أن مات يوم الجمعة ودفن يوم السبت سنة نيف وأربعين وثلاثمائة وأكثر الناس فيه المراثى

قال صاحب الكافى ولا أرى له رواية فى الحديث فلعله كان فقيها صرفا ولو كانت له أحاديث لكان له ذكر فى تاريخ بغداد وتاريخ سمرقند ولا ذكر له فيهما وفيه لما مات يقول أحمد بن محمد بن إبراهيم بن قطن

ليبك دما من كان للدين باكيا ** فإن إمام الناس أصبح ثاويا

فقدنا بفقدان الفقيه محمد ** مكارم غادرن العيون هواميا

ومنها

تشبه آباء كراما كأنهم ** مصابيح تجلو المظلمات الدواجيا

سعيدا وعبد الله والشيخ ذا النهى ** محمدا البر العفيف المواليا

دعائم هذا الدين عاشوا أعزه ** وماتوا كراما لم يحوزوا المساويا

وهى طويلة أتى صاحب الكافى على عامتها

قال وخلف ولدا اسمه أبو بكر عبد الله كان رشيدا فاضلا بلغ درجة أسلافه فى العلم والورع

ومن الفوائد عنه

قال حضرت مجلس أبى إسحاق المروزى فسمعته يقول قال لنا القاضى أبو العباس بن سريج بأى شيء يتخرج المرء فى التعلم فأعيا أصحابنا الجواب

فقلت أنا بتفكره فى الفائدة التى تجرى فى المجلس فقال أصبت بهذا يتخرج المتعلم

قال أبو سعيد الكرابيسى سئل عن بيع التراب من الأرض قدر ذراع من الأرض عمقا فى عرض وطول معلوم لضرب اللبن فقال لا يجوز لأن الأرض يختلف ترابها

138 محمد بن سفيان الأسبانيكثى

وأسبانيكث بضم الألف وسكون السين المهملة وفتح الباء الموحدة وكسر النون وسكون آخر الحروف وفتح الكاف وفى آخرها الثاء المثلثة

وسيعود إن شاء الله ذكر هذه النسبة فى ترجمة سعيد بن حاتم

وهذا كنيته أبو بكر ولى القضاء

قال أبو العباس المستغفرى كان من أورع الحكام وأفضلهم وأنزههم

قال وكان القاضى نسف

قال وكان قد درس الفقه على أبى بكر أحمد بن الحسن الفارسى وكان من جملة فقهاء الشافعى وكان قليل الحديث

قال وسمعت الحاكم أبا عبد الله بن أبى شجاع الأسبانيكثى يقول سمعت أبا الحسن على بن زكرياء الفقيه المفتى بالشاش وكان من أصحاب أبى بكر الفارسى يقول لم يكن أحد من أصحاب أبى بكر الفارسى أخذ منه فقهه وكلامه وتدقيقه كما أخذ أبو بكر الأسبانيكثى ولو أن إنسانا سمعه يتكلم من وراء جدار ما شك أنه أبو بكر الفارسى

مات سنة خمس أو ست وسبعين وثلاثمائة بالسغد

139 محمد بن سليمان بن محمد بن سليمان بن هارون بن عيسى بن إبراهيم ابن بشر الحنفى نسبا من بنى حنيفة العجلى الإمام الأستاذ الكبير أبو سهل الصعلوكى

شيخ عصره وقدوة أهل زمانه وإمام وقته فى الفقه والنحو والتفسير واللغة والشعر والعروض والكلام والتصوف وغير ذلك من أصناف العلوم

أجمع أهل عصره على أنه بحر العلم الذى لا ينزف وإن كثرت الدلا وجبل المعارف التى لا تمر بها الخصوم إلا كما يمر الهوا

ولد سنة ست وتسعين ومائتين

وأول سماعه سنة خمس وثلاثمائة

سمع ابن خزيمة وعنه حمل الحديث وأبا العباس السراج وأبا العباس أحمد بن محمد الماسرجسى وأبا قريش محمد بن جمعة وأحمد بن عمر المحمداباذى وأبا محمد بن أبى حاتم وإبراهيم بن عبد الصمد وأبا بكر ابن الأنبارى والمحاملى وغيرهم

وتفقه على أبى إسحاق المروزى وطلب العلم وتبحر فيه قبل خروجه إلى العراق بسنين

قال الحاكم لأنه ناظر فى مجلس أبى الفضل البلعمى الوزير سنة سبع عشرة وثلاثمائة وتقدم فى المجلس إذ ذاك ثم خرج إلى العراق سنة اثنتين وعشرين وهو إذ ذاك أوحد بين أصحابه ثم دخل البصرة ودرس بها سنين فلما نعى إليه عمه أبو الطيب وعلم أن أهل أصبهان لا يخلون عنه فى انصرافه خرج مختفيا منهم فورد نيسابور فى رجب سنة سبع وثلاثين وهو على الرجوع إلى الأهل والولد والمستقر من أصبهان فلما ورد جلس لمأتم عمه ثلاثة أيام فكان الشيخ أبو بكر بن إسحاق يحضر كل يوم فيقعد معه هذا على قلة حركته وكذلك كل رئيس ومرؤوس وقاض ومفت من الفريقين فلما انقضت الأيام عقدوا له المجلس غداة كل يوم للتدريس والإلقاء ومجلس النظر عشية الأربعاء واستقرت به الدار ولم يبق فى البلد موافق ولا مخالف إلا وهو مقر له بالفضل والتقدم وحضره المشايخ مرة بعد أخرى يسألونه أن ينقل من خلفهم وراءه بأصبهان فأجاب إلى ذلك ودرس وأفتى ورأس أصحابه بنيسابور اثنتين وثلاثين سنة وكان يسأل عن التحديث فيمتنع أشد الامتناع إلى غرة رجب سنة خمس وستين وثلاثمائة سئل فأجاب للإملاء وقعد للتحديث عشية يوم الجمعة

قال الحاكم سمعت أبا بكر أحمد بن إسحاق عشية يوم الجمعة

قال الحاكم سمعت أبا بكر أحمد بن إسحاق الإمام غير مرة وهو يعوذ الأستاذ أبا سهل وينفث على دعائه ويقول بارك الله فيك لا أصابتك العين هذا فى مجالس النظر عشية السبت للكلام وعشية الثلاثاء للفقه

قال وسمعت أبا على الإسفراينى يقول سمعت أبا إسحاق المروزى يقول ذهبت الفائدة من مجلسنا بعد خروج أبى سهل النيسابورى

قال وسمعت أبا بكر محمد بن على القفال الفقيه ببخارى يقول قلت للفقيه أبى سهل بنيسابور حين أراد مناظرتى هذا ستر قد أسبله الله على فلا تسبق إلى كشفه

قال وسمعت أبا منصور الفقيه يقول سئل أبو الوليد عن أبى بكر القفال وأبى سهل أيهما أرجح فقال ومن يقدر أن يكون مثل أبى سهل وعن أبى بكر الصيرفى خرج أبو سهل إلى خراسان ولم ير أهل خراسان مثله

وعن الصاحب أبى القاسم بن عباد لا يرى مثله ولا رأى هو مثل نفسه

وقال الشيخ أبو إسحاق الشيرازى أبو سهل الصعلوكى صاحب أبى إسحاق المروزى كان فقيها أديبا شاعرا متكلما مفسرا صوفيا كاتبا وعنه أخذ فقهاء نيسابور وابنه أبو الطيب

وقال الأستاذ أبو القاسم القشيرى سمعت أبا عبد الرحمن السلمى يقول وهب الأستاذ أبو سهل جبته من إنسان فى الشتاء وكان يلبس جبة النساء حين يخرج إلى التدريس إذ لم تكن له جبة أخرى فقدم الوفد المعروفون من فارس فيهم فى كل نوع إمام من الفقهاء والمتكلمين والنحويين فأرسل إليه صاحب الجيش وهو أبو الحسن وأمره أن يركب للاستقبال فلبس دراعة فوق تلك الجبة التى للنساء وركب فقال صاحب الجيش إنه يستخف بى إمام البلد يركب فى جبة النسوان ثم إنه ناظرهم أجمعين وظهر كلامه على كلام جميعهم فى كل فن

وقال الأستاذ أبو القاسم سمعت أبا بكر بن إشكاب يقول رأيت الأستاذ أبا سهل فى المنام على هيئة حسنة لا توصف فقلت يا أستاذ بم نلت هذا فقال بحسن ظنى بربى

وحكى أن أبا نصر الواعظ وكان حنفيا فى زمان الأستاذ أبى سهل انتقل إلى مذهب الشافعى فسئل عن ذلك فقال رأيت النبى فى المنام مع أصحابه قاصدا لعيادة الأستاذ أبى سهل وكان مريضا قال فتبعته ودخلت عليه معه وقعدت بين يدى النبى متفكرا فقلت إن هذا إمام أصحاب الحديث وإن مات أخشى أن يقع الخلل فيهم فقال رسول الله لى ‏(‏ لا تفكر فى ذلك إن الله لا يضيع عصابة أنا سيدها ‏)‏

قلت صحب الأستاذ أبو سهل من أئمة التصوف المرتعش والشبلى وأبا على الثقفى وغيرهم

وحكى عنه أنه قال ما مرت بى جمعة وأنا ببغداد إلا ولى على الشبلى وقفة أو سؤال

وأنه قال دخل الشبلى على أبى إسحاق المروزى فرآنى عنده فقال ذا المجنون من أصحابك لا بل من أصحابنا

وقال السلمى سمعت أبا سهل يقول ما عقدت على شيء قط وما كان لى قفل ولا مفتاح ولا صررت على فضة ولا ذهب قط

قال الحاكم توفى الأستاذ أبو سهل يوم الثلاثاء خامس عشر ذى القعدة سنة تسع وستين وثلاثمائة وصلى عليه ابنه أبو الطيب ودفن فى المجلس الذى كان يدرس فيه

ومن الرواية عنه

أخبرنا أحمد بن على الجزرى بقراءتى وفاطمة بنت إبراهيم بن أبى عمر قراءة عليهما وأنا أسمع قالا أخبرنا إبراهيم بن خليل حضورا أخبرنا أبو محمد عبد الرحمن ابن على بن المسلم أخبرنا أبو الحسن على بن الحسن بن الحسين الموازينى أخبرنا الشيخ أبو الفضل أحمد بن محمد بن أبى الفراتى سمعت الشيخ أبا عبد الرحمن السلمى يقول قلت يوما للأستاذ أبى سهل فى كلام يجرى بيننا فقال لى أما علمت أن من قال لأستاذه لم لا يفلح أبدا

وبه قال سمعت الشيخ أبا عبد الرحمن يقول قال الأستاذ أبو سهل لى يوما عقوق الوالدين يمحوها الاستغفار وعقوق الأستاذين لا يمحوها شيء

أخبرنا أبو عبد الله الحافظ إذنا خاصا إن لم أكن قرأته عليه أخبرنا أبو الفضل أحمد ابن هبة الله بن تاج الأمناء أخبرنا محمد بن يوسف الحافظ أن زينب بنت أبى القاسم الشعرى أخبرته

ح قال شيخنا وأخبرنا أبو الفضل أنها كتبت إليه تخبره أن إسماعيل بن أبى القاسم أخبرها أخبرنا عمر بن أحمد بن منصور قال أنشدنا أبو سهل محمد بن سليمان الحنفى إملاء أنشدنا أبو بكر الأنبارى أنشدنا أبو العباس أحمد بن يحيى

لقد هتفت فى جنح ليل حمامة ** إلى إلفها شوقا وإنى لنائم

كذبت وبيت الله لو كنت عاشقا ** لما سبقتنى بالبكاء الحمائم

وبه قال أنشدنا الإمام أبو سهل لنفسه

أنام على سهو وتبكى الحمائم ** وليس لها جرم ومنى الجرائم

كذبت وبيت الله لو كنت عاقلا ** لما سبقتنى بالبكاء الحمائم

ومن الفوائد والمسائل عن الأستاذ أبى سهل

قال الحاكم سمعت الأستاذ أبا سهل ودفع إليه مسألة فقرأها علينا وهى

تمنيت شهر الصوم لا لعبادة ** ولكن رجاء أن أرى ليلة القدر

فأدعو إله الناس دعوة عاشق ** عسى أن يريح العاشقين من الهجر

فكتب أبو سهل فى الحال

تمنيت ما لو نلته فسد الهوى ** وحل به للحين قاصمة الظهر

فما فى الهوى طيب ولا لذة سوى ** معاناة ما فيه يقاسى من الهجر

قال الأستاذ أبو القاسم القشيرى سمعت أبا بكر بن فورك يقول سئل الأستاذ أبو سهل عن جواز رؤية الله تعالى من طريق العقل فقال الدليل عليه شوق المؤمنين إلى لقائه والشوق إرادة مفرطة والإرادة لا تعلق بالمحال فقال السائل ومن الذى يشتاق إلى لقائه فقال الأستاذ أبو سهل يشتاق إليه كل حر مؤمن فأما من كان مثلك فلا يشتاق

روى الحاكم بإسناده إلى الأستاذ أبى سهل بإسناده إلى أبى نواس قال مضيت يوما إلى أزهر السمان فوجدت ببابه جماعة من أصحاب الحديث فجلست معهم أنتظر خروجه فمكث غير بعيد وخرج ووقف بين بابى داره ثم قال لأصحاب الحديث حوائجكم فجعلوا يذكرونها له ويحدثهم بما يسألونه ثم أقبل على وقال حاجتك يا حسن فقلت

ولقد كنتم رويتم ** عن سعيد عن قتادة

عن سعيد بن المسيب ** أن سعد بن عبادة

قال من مات محبا ** فله أجر الشهاده

قال نعم يا خليع حدثنا سعيد بن أبى عروبة عن قتادة عن سعيد بن المسيب عن سعد ابن عبادة قال قال رسول الله ‏(‏ من مات محبا فى الله فله أجر الشهادة ‏)‏

140 محمد بن شعيب بن إبراهيم بن شعيب النيسابورى

الفقه العجلى أبو الحسن البيهقى

أحد الأئمة المشهورين بالفصاحة والبراعة والفقه والإمامة

قال الحاكم فيه مفتى الشافعيين ومناظرهم ومدرسهم فى عصره وأحد المذكورين فى أقطار الأرض بالفصاحة والبراعة

كان اختلافه بنيسابور إلى أبى بكر بن خزيمة وأقرانه

ثم خرج إلى أبى العباس بن سريج ولزمه إلى أن تقدم فى العلم

سمع بخراسان أبا عبد الله البوشنجى وأبا بكر الجارودى وداود بن الحسين وأقرانهم

وبالعراق ابن جرير وغيره

روى عنه الأستاذ أبو الوليد وغيره

سمعت أبا سهل محمد بن سليمان الفقيه يقول حضرت مجلس الوزير أبى الفضل البلعمى فلما فرغ من المجلس دعا بأبى الحسن البيهقى فخيره بين قضاء الرى والشاش فامتنع إليه أشد الامتناع وتضرع إليه في الاستعفاء وكان آخر كلمة تكلم بها أن قال له الوزير استشر واستخر واقترح ولا تخالف

توفى سنة أربع وعشرين وثلاثمائة

141 محمد بن صالح بن هانئ أبو جعفر الوراق النيسابورى

سمع الكثير بنيسابور ولم يسمع بغيرها

وكان صبورا على الفقر لا يأكل إلا من كسب يده

سمع السرى ابن خزيمة وغيره

روى عنه أبو بكر بن إسحاق وأبو على الحافظ وغيرهما

مات فى سلخ ربيع الأول سنة أربعين وثلاثمائة وصلى عليه أبو عبد الله بن الأخرم الحافظ ولما دفن وقف على قبره وترحم عليه وأثنى عليه وحكى أنه صاحبه من سنة سبعين ومائتين إلى حينئذ فما رآه أتى شيئا لا يرضاه الله عز وجل ولا سمع منه شيئا يسأل عنه

142 محمد بن طالب بن على أبو الحسين النسفى

الفقيه إمام الشافعية بتلك الديار

قال جعفر المستغفرى كان فقيها عارفا باختلاف العلماء نقى الحديث صحيحه ما كتب إلا عن الثقات

سمع على بن عبد العزيز بمكة وموسى بن هارون وطائفة

توفى فى رجب سنة تسع وثلاثين وثلاثمائة بنسف

143 محمد بن طاهر بن محمد بن الحسن بن الوزير أبو نصر الوزيرى

الأديب المذكر المفسر

كان كثير العلوم فصيحا بالغا فى الذكر والوعظ

سمع عبد الله بن محمد بن الشرقى وأبا حامد بن بلال وأبا على الثقفي وأقرانهم

توفى فى شهر رمضان سنة خمس وستين وثلاثمائة

وكان أولا حنفى المذهب ثم انتقل إلى مذهبنا

144 محمد بن العباس بن أحمد بن محمد بن عصم بن بلال بن عصم أبو عبد الله بن أبى ذهل الضبى الهروى العصمى بضم العين

رئيس هراة

مولده سنة أربع وتسعين ومائتين

وسمع محمد بن معاذ المالينى وأبا نصر محمد بن عبد الله القيسى وحاتم بن محبوب وأبا عمرو الحيرى ومؤمل بن الحسن الماسرجسى ويحيى بن صاعد وعبد الرحمن بن أبى حاتم وغيرهم

روى عنه الدارقطنى والحاكم أبو عبد الله وأبو يعقوب القراب وأبو بكر البرقانى وأبو الفتح بن أبى الفوارس وغيرهم

قال الخطيب كان ثقة نبيلا من ذوى الأقدار العالية

وقال سمعت البرقانى يقول كان ملك هراة تحت أمر ابن أبى ذهل لقدره وأبوته

وقال الحاكم لقد صحبته سفرا وحضرا فما رأيت أحسن وضوءا منه ولا أحسن صلاة ولا رأيت فى مشايخنا أحسن تضرعا وابتهالا فى دعواته منه لقد كنت أراه يرفع يديه إلى السماء فيمدهما مدا كأنه يأخذ شيئا من أعلى مصلاه وكان يضرب له دنانير وزن الدينار منها مثقال ونصف أو أكثر فيتصدق بها ويقول إنى لأفرح إذا ناولت فقيرا كاغدا فيتوهم أنه فضة فإذا فتحه ورأى صفرته فرح ثم إذا وزنه فزاد على المثقال فرح أيضا وكانت له غلة كثيرة لا يدخل داره إلا دون عشرها والباقى يفرقه على المستورين وسائر المستحقين حتى إن جماعة من أهل العلم لم يكن لهم قوت إلا من غلته

قال الحاكم ولقد سألت عن أعشار غلات أبى عبد الله كم تبلغ فقيل ربما زادت على ألف حمل

وحدثنى أبو أحمد الكاتب أن النسخة التى كانت عنده بأسماء من يقوتهم أبو عبد الله بهراة تزيد على خمسة آلاف بيت

وقال أبو النصر عبد الرحمن الفامى إن أبا عبد الله صنف صحيحا على صحيح البخارى وإنه تفقه ببغداد وإنه لم يجتمع لرئيس بهراة ما اجتمع له من آلات السيادة وحكى أن أبا جعفر العتبى وزير السلطان ألزم أبا عبد الله عن أمر السلطان أن يتقلد ديوان الرسائل فامتنع فقال له هذا قضاء القضاة بكور خراسان ولا تخرج عن حد العلم ولو عرفت اليوم فى مشايخ خراسان من يدانيك فى شمائلك لأعفيتك فبكى أبو عبد الله وقال له إن أعفانى السلطان عن هذا العمل فبفضله على وعلى أصحابى بهراة وإن أكرهنى عليه لبست مرقعة وخرجت على وجهى حتى لا يعلم بمكانى أحد فأعفى

وعن أبى عبد الله ما مست يدى دينارا ولا درهما منذ ثلاثين سنة هذا مع كثرة أمواله وصدقاته

قال الحاكم سمعت أبا عبد الله بن أبى ذهل يقول سمعت أبا بكر الشبلى وسئل عن الرجل يسمع الشيء ولا يفهم معناه فيتواجد عليه لم هذا فأنشأ الشبلى يقول

رب ورقاء هتوف بالضحى ** ذات شجو صدحت فى فنن

ذكرت إلفا ودهرا سالفا ** فبكت حزنا فهاجت حزنى

فبكائى ربما أرقها ** وبكاها ربما أرقنى

ولقد تشكو فما أفهمها ** ولقد أشكو فما تفهمنى

غير أنى بالجوى أعرفها ** وهى أيضا بالجوى تعرفنى

استشهد ابن أبى ذهل فى رستاق خواف من نيسابور بعد ما خرج من الحمام لطخ ثوبه وألبسه فمات لتسع بقين من صفر سنة ثمان وسبعين وثلاثمائة

145 محمد بن عبد الله بن أحمد أبو عبد الله الصفار الأصبهانى المحدث الرجل الصالح

سمع ببلده أحمد بن عصام وأسيد بن عاصم وأحمد بن رستم وعبيد الغزال

وبفارس أحمد بن مهران بن خالد

وببغداد أحمد بن عبيد الله النرسى ومحمد بن الفرج الأزرق وأبا بكر بن أبى الدنيا

وبمكة على بن عبد العزيز وجماعة

وسمع المسند من عبد الله بن أحمد وكتب مصنفات إسماعيل القاضى ورحل إلى الحسن بن سفيان وحصل المسند ومصنفات ابن أبى شيبة

روى عنه أبو على الحافظ والحاكم أبو عبد الله ومحمد بن إبراهيم الجرجانى ومحمد بن موسى الصيرفى وأبو الحسين الحجاجى وأبو عبد الله ابن مندة وآخرون

قال الحاكم هو محدث عصره كان مجاب الدعوة لم يرفع رأسه إلى السماء كما بلغنا نيفا وأربعين سنة وصنف فى الزهديات وورد نيسابور قبل الثلاثمائة فسكنها

قال الحاكم وكان وراقه أبو العباس المصرى خانه واختزل عيون كتبه وأكثر من خمسمائة جزء من أصوله فكان أبو عبد الله يجامله جاهدا فى استرجاعها منه فلم ينجع فيه شيء وكان كبير المحل فى الصنعة فذهب علمه بدعاء الشيخ عليه

توفى فى ذى القعدة سنة تسع وثلاثين وثلاثمائة وله ثمان وتسعون سنة

146 محمد بن عبد الله بن حمدون أبو سعيد النيسابورى الزاهد العالم أحد الصالحين

سمع من أبى بكر محمد بن حمدون وما أدرى هل هو عمه أو لا ومن أبى حامد بن الشرقى وأبى نعيم بن عدى وغيرهم

روى عنه أحمد بن منصور المغربى وأبو عثمان سعيد البحيرى وغيرهما

وحدث سنين وانتفع به الخلق علما ودينا

توفى بنيسابور فى ذى الحجة سنة تسعين وثلاثمائة

147 محمد بن عبد الله بن حمشاد الأستاذ أبو منصور الحمشادى

الإمام علما ودينا ذو الدعوة المجابة

مولده سنة ست عشرة وثلاثمائة

وتفقه بخراسان على أبى الوليد النيسابورى وبالعراق على ابن أبى هريرة

وسمع أبا حامد بن بلال ومحمد بن الحسين القطان وإسماعيل الصفار وأبا سعيد ابن الأعرابى وآخرين

ودخل الحجاز واليمن وأدرك الأسانيد العالية

وقرأ علم الكلام على أبى سهل الخليطى

قال فيه الحاكم الأديب الزاهد من العلماء الزهاد المجتهدين

قال وكان من المجتهدين فى العبادة الزاهدين فى الدنيا تجنب السلاطين وأولياءهم إلى أن خرج من دار الدنيا وهو ملازم لمسجده ومدرسته قد اقتصر على أوقاف لسلفه عليه قوت يوم بيوم

تخرج به جماعة من العلماء الواعظين وظهر له من مصنفاته أكثر من ثلاثمائة كتاب مصنف

قال وقد ظهر لنا فى غير شيء أنه كان مجاب الدعوة

مرض أبو منصور الفقيه يوم الأربعاء سادس عشر رجب واشتد به المرضى يوم الثلاثاء السابع من ابتداء مرضه فبكرت إليه وقد ثقل لسانه وكان يشير بأصبعه بالدعاء ثم قال لى بجهد جهيد تذكر قصة محمد بن واسع مع قتيبة بن مسلم فقلت تفيد

فقال إن قتيبة كان يجرى على محمد بن واسع تلك الأرزاق وهو شيخ هرم ضعيف فعوتب

على ذلك فقال أصبعه فى الدعاء أبلغ فى النصر من رماحكم هذه

ثم عدت إليه يوم الثلاثاء فقال لى بعد جهد جهيد أيها الحاكم غير مودع فإنى راحل فكان يقاسى لما احتضر من الجهد ما يقاسيه وأنا أقول لأصحابنا إنه يؤخذ ليلة الجمعة فتوفى رحمه الله وقت الصبح من يوم الجمعة الرابع والعشرين من رجب سنة ثمان وثمانين وثلاثمائة وغسله أبو سعيد الزاهد

قلت أبو سعيد هو المتقدم محمد بن عبد الله بن حمدون

148 محمد بن عبد الله بن محمد بن بشر

أبو عبد الله المزنى الهروى

أخو الشيخ أبى محمد المزنى الإمام

سمع أحمد بن نجدة وعلى بن محمد بن عيسى الحكانى

حدث بالعراق ونيسابور وهراة

مات بنيسابور فى جمادى الأولى سنة اثنتين وخمسين وثلاثمائة وقد قارب الثمانين

149 محمد بن عبد الله بن محمد بن بصير بن ورقة البخارى

الشيخ الإمام الجليل أبو بكر الأودنى وأودن قرية من قرى بخارى مضمومة الهمزة فيما قال ابن السمعانى مفتوحة فيما قال ابن ماكولا ومن تبعه

سمع ببخارى أبا الفضل يعقوب بن يوسف العاصمى وأقرانه فمن مشايخه الهيثم ابن كليب الشاشى وعبد المؤمن بن خلف النسفى ومحمد بن صابر البخارى

روى عنه أبو عبد الله الحاكم حديثين وروى عنه أيضا أبو عبد الله الحليمى ومحمد ابن أحمد بن غنجار وجعفر المستغفرى

قال فيه الحاكم إمام الشافعيين بما وراء النهر فى عصره بلا مدافعة قدم نيسابور سنة خمس وستين وحج ثم انصرف فأقام عندنا مدة فى سنة ست وستين وكان من أزهد الفقهاء وأورعهم وأكثرهم اجتهادا فى العبادة وأبكاهم على تقصيره وأشدهم تواضعا وإخباتا وإنابة

وقال الإمام فى النهاية كان الأودنى من دأبه أن يضن بالفقه على من لا يستحقه ولا يبديه وإن كان يظهر أثر الانقطاع عليه فى المناظرة

وحكى أنه كان يذهب إلى الوجه الصحيح وهو أنه لا يجوز للعاصى بسفره أن يتناول الميتة عند الاضطرار لما فيه من التخفيف على العاصى وهو متمكن من دفع الهلاك عن نفسه بأن يتوب ثم يأكل

قال الإمام فلما ألزم الأودنى بهذه المسألة وأخذ الملزم يقول هذا سعى فى إهلاك نفس معصومة مصونة فكان الأودنى يقول لمن بالقرب منه ت ب ك ل يريد تب كل معناه أنه الساعى فى دم نفسه باستمراره على عصيانه فإن أراد الميتة فليتب ثم يأكل

توفى الأودنى ببخارى سنة خمس وثمانين وثلاثمائة

150 محمد بن عبد الله بن محمد بن الحسين أبو بكر الصبغى

الإمام الفقيه المحدث

سمع بخراسان من أبى عمرو الحيرى والمؤمل بن الحسن ومكى بن عبدان وغيرهم

وبالرى من ابن أبى حاتم وأكثر عنه

وببغداد من ابن مخلد والمحاملى وغيرهما

وأكثر بنيسابور عن أبى حامد بن الشرقى

روى عنه الحاكم أبو عبد الله فى التاريخ أربعة أحاديث وحكاية قدمناها فى ترجمة ابن الشافعى

وقال كان من أعيان فقهاء الشافعيين كثير السماع والحديث كان حانوته مجمع الحفاظ والمحدثين فى مربعة الكرمانيين على باب خان مكى وكنا نقرأ على أبى عبد الله بن يعقوب على باب حانوته

قلت كلام الحاكم دال على أن الشيخ كان يبيع الصبغ بنفسه أو يعمله بنفسه فى الحانوت على عادة العلماء المتقدمين الذين كانوا يتسببون فى المعاش

توفى فى ذى الحجة سنة أربع وأربعين وثلاثمائة وهو ابن نيف وخمسين سنة

وفى الرافعى فى القصاص فى مسألة المبادرة حكى عن الماسرجسى أنه قال سمعت أبا بكر الصبغى يقول كررتها على نفسى ألف مرة حتى تحققتها

وفى بعض النسخ موضع الصبغى الصيرفى ولعل الصبغى أشبه وهو فيما أحسب هذا لا الإمام أبو بكر بن إسحاق

151 محمد بن عبد الله بن محمد بن زكرياء بن الحسن الإمام الحافظ أبو بكر الجوزقى النيسابورى الشيبانى

وجوزق التى ينسب إليها قرية من قرى نيسابور وبهراة جوزق أخرى ينسب إليها أبو الفضل إسحاق الهروى الحافظ كلاهما بفتح الجيم ثم الواو الساكنة ثم الزاى المفتوحة ثم القاف

كان أبو بكر أحد أئمة المسلمين علما ودينا وكان محدث نيسابور وابن أخت محدثها أبى إسحاق إبراهيم بن محمد المزكى

روى عن أبى العباس السراج وأبى العباس الأصم وأبى نعيم بن عدى الجرجانى وأبى العباس الدغولى رحل إليه مع خاله إلى سرخس ومكى بن عبدان وأبى حامد بن الشرقى وأخيه عبدالله بن الشرقى وأبى سعيد بن الأعرابى وأبى على الصفار وغيرهم بنيسابور وسرخس وهمذان والرى ومكة وبغداد وغيرها

روى عنه الحاكم أبو عبد الله والكنجروذى وسعيد بن محمد البحيرى ومحمد بن على الخشاب وسعيد بن أبى سعيد العيار وأحمد بن منصور بن خلف المغربى وآخرون

وصنف المنسد الصحيح على كتاب مسلم وكتاب المتفق وله كتاب آخر فى المتفق أبسط من هذا المشهور فى نحو ثلاثمائة جزء يرويه أبو عثمان الصابونى وحكى عنه أنه قال أنفقت فى الحديث مائة ألف درهم ما كسبت به درهما

توفى فى شوال سنة ثمان وثمانين وثلاثمائة وهو ابن اثنتين وثمانين سنة

152 محمد بن عبد الله بن أبى القاضى أبو سعيد

قال أبو سعيد الكرابيسى كان من أجمل الناس وأحسنهم له البسطة والمكانة والقبول عند الجميع وكان إذا خرج إلى المسجد للقص على الناس فرآه الناس لم يتمالكوا عن البكاء

وقال صاحب الكافى كان من مشاهير علماء منصورة وفضلاتهم وأتقيائهم من أصحاب الحديث

قال الكرابيسى تفقه بخوارزم على أبيه وسمع منه الحديث ثم خرج إلى العراق فسمع سعدان بن يزيد ومحمد بن عبيد الله بن المنادى وعبد الله بن حماد وحماد ابن المؤمل وجماعة

وتوفى ولده سعيد بن محمد والد أبى أحمد فى حياته وكان فاضلا قد صنف كتاب

الإرشاد وغيره أعنى سعيد بن محمد فأصيب والده بمصيبتين فى ولدين هو أحدهما والآخر أخوه اسمه أبو القاضى قتلته القرامطة فصبر والدهما أبو سعيد واحتسب

توفى القاضى أبو سعيد سنة ثلاث عشرة وثلاثمائة

153 محمد بن عبد الله أبو بكر الصيرفى

الإمام الجليل الأصولى أحد أصحاب الوجوه المسفرة عن فضله والمقالات الدالة على جلالة قدره وكان يقال إنه أعلم خلق الله تعالى بالأصول بعد الشافعى

تفقه على ابن سريج

وسمع الحديث من أحمد بن منصور الرمادى

روى عنه على بن محمد الحلبى

ومن تصانيفه شرح الرسالة وكتاب فى الإجماع وكتاب فى الشروط

توفى سنة ثلاثين وثلاثمائة

وهذه مناظرة بينه وبين الشيخ أبى الحسن الأشعرى

حكى الشيخ أبو محمد الجوينى فى شرح الرسالة أن الشيخ أبا بكر الصيرفى اجتمع بالشيخ أبى الحسن فقال له أبو الحسن أنت تقول بوجوب شكر المنعم بناء على ما ذكرت من أنه يحتمل إرادة الشكر فإذا لم يشكر عاقبه عليه وقولك هذا مع اعتقاد أن الله خلق كفر الكافر وأراده متناقض فإما أن تقول أفعالنا مخلوقة لنا أو تقول شكر المنعم لا يجب أبدا لمجرده

قال ولم قال مذهبك أن الله يريد كفر الكافر وإرادته كفره لا توجب الكفر فهب أنه تعالى أراد منا الشكر فإرادته لا توجب الشكر كما لا توجب الكفر فإما أن تنفى إرادة الله تعالى الكفر وتمشى على مذهب المعتزلة ويمشى لك أصلك وإما أن تترك هذا المذهب

فقال الصيرفى ترك القول بوجوب الشكر أهون فاعتقده

ثم كان يكتب على حواشى كتبه حيث يصير وجوب شكر المنعم بمجرده مهما قلنا بوجوبه قلناه مع قرينة الشرع والسمع به

قلت وفى المناظرة دلالة على ما قال القاضى أبو بكر فى كتاب التقريب والأستاذ أبو إسحاق فى التعليقة من أن طوائف من الفقهاء ذهبت إلى مذاهب المعتزلة فى بعض المسائل غافلين عن تشعبها عن أصولهم الفاسدة كما سنحكيه إن شاء الله فى ترجمة القفال الكبير فى هذه الطبقة

وأقول جواب الصيرفى أن يقول إيجاب الشكر لاحتمال أنه يقال أوجبه لا أنه يقال أراده ومثل هذا لا يجئ فى الكفر فإنا على يقين بأنه يقال ما أوجبه بل حرمه وإن أراده وليس يلزم من إرادته إياه إيجابه له فليس فى إيجاب شكر المنعم مناقضة للقول بأنه تعالى مريد الكائنات بأسرها خيرها وشرها

ومن الرواية عن أبى بكر الصيرفى

‏.‏ ‏.‏ ‏.‏ ‏.‏ ‏.‏ ‏.‏ ‏.‏ ‏.‏ ‏.‏ ‏.‏ ‏.‏ ‏.‏ ‏.‏ ‏.‏ ‏.‏ ‏.‏ ‏.‏ ‏.‏ ‏.‏ ‏.‏ ‏.‏ ‏.‏ ‏.‏ ‏.‏ ‏.‏ ‏.‏ ‏.‏ ‏.‏ ‏.‏ ‏.‏ ‏.‏ ‏.‏ ‏.‏ ‏.‏ ‏.‏

154 محمد بن عبد الله بن محمد بن عبد الرحمن أبو الفضل البلعمى

بفتح الباء المنقوطة بواحدة وسكون اللام وفتح العين المهملة وفى آخرها الميم وزير إسماعيل بن أحمد صاحب خراسان استولى جده رجاء على بلعم وهى بلد من بلاد الروم حين دخلها مسلمة بن عبد الملك وأقام فيها وكثر نسله بها فنسبوا إليها وكان الوزير أبو الفضل من أصحاب محمد بن نصر المروزى

قال الحاكم كان كثير السماع من مشايخ عصره بمرو وبخارى ونيسابور وسمرقند وسرخس وكان قد سمع أكثر الكتب من محمد بن نصر

قال وسمعت أبا الوليد حسان بن محمد الفقيه غير مرة يقول كان الشيخ أبو الفضل البلعمى ينتحل مذهب الحديث

قال ابن الصلاح إذا أطلقوا هذا هناك انصرف إلى مذهب الشافعى

ولأبى الفضل مصنفات كتاب تلقيح البلاغة وكتاب المقالات

قال ابن ماكولا توفى فى صفر سنة تسع وعشرين وثلاثمائة

155 محمد بن عبد الرحمن بن أبى إسحاق إبراهيم بن محمد بن يحيى المزكى أبو الحسن النيسابورى

سمع أبا العباس الأصم وأقرانه وحدث

توفى فى شوال سنة اثنتين وتسعين وثلاثمائة

156 محمد بن عبد الواحد بن أبى هاشم أبو عمر اللغوى المعروف بغلام ثعلب

ولد سنة إحدى وستين ومائتين

سمع الحديث من موسى بن سهل الوشاء ومحمد بن يونس الكديمى وأحمد بن عبيد الله النرسى وإبراهيم بن الهيثم البلدى وأحمد بن سعيد الجمال وبشر بن موسى الأسدى وجماعة

روى عنه أبو عبد الله الحاكم وأبو الحسن بن رزقويه وأبو الحسين بن بشران وأحمد ابن عبد الله المحاملى وأبو على بن شاذان وهو آخر من حدث عنه

روى الخطيب أن ابن المرزبان قال كان ابن ماسى من دار كعب ينفذ إلى غلام ثعلب وقتا بعد وقت كفايته لما ينفق على نفسه فقطع عنه ذلك مدة لعذرثم أنفذ إليه جملة ما كان فى رسمه وكتب إليه رقعة يعتذر من تأخير ذلك فرده وأمر من بين يديه أن يكتب على ظهر رقعته أكرمتنا فملكتنا ثم أعرضت عنا فأرحتنا

قال الخطيب سمعت غير واحد يحكى أن الأشراف والكتاب وأهل الأدب كانوا يحضرون عند أبى عمر الزاهد ليسمعوا منه كتب ثعلب وغيرها

قال وكان جميع شيوخنا يوثقونه في الحديث

وقال أبو على التنوخى من الرواة الذين لم ير قط أحفظ منهم أبو عمر غلام ثعلب أملى من حفظه ثلاثين ألف ورقة فيما بلغنى حتى اتهموه لسعة حفظه فكان يسأل عن الشيء الذى يظن السائل أنه قد وضعه فيجيبه عنه ثم يسأله غيره عنه بعد سنة فيجيب بذلك الجواب

وقال عبد الواحد بن على بن برهان لم يتكلم فى اللغة أحد أحسن من كلام أبى عمر الزاهد

قال وله كتاب غريب الحديث صنفه على مسند أحمد

ونقل أن صناعة أبى عمر كانت التطريز وكان اشتغاله بالعلم قد منعه من التكسب فلم يزل مضيقا عليه

وله من التصانيف غريب الحديث وكتاب الياقوتة وفائت الفصيح والعشرات والشورى وتفسير أسماء الشعراء وكتاب القبائل وكتاب النوادر وكتاب يوم وليلة وغير ذلك

وفيه يقول أبو العباس أحمد اليشكرى

أبو عمر أوفى من العلم مرتقى ** يزل مساميه ويردى مطاوله

فلو أننى أقسمت ما كنت كاذبا ** بأن لم ير الراؤون بحرا يعادله

إذا قلت شارفنا أواخر علمه ** تفجر حتى قلت هذا أوائله

واتفقت له غريبة مع القاضى أبى عمر وكان أبو عمر غلام ثعلب مؤدب ولد القاضى أبى عمر فأملى ثلاثين مسألة بشواهدها وأدلتها من كلام العرب واستشهد فى تضاعيفها ببيتين غريبين جدا فعرضهما القاضى أبو عمر على ابن دريد وابن الأنبارى وابن مقسم فلم يعرفوهما ولا عرفوا غالب ما ذكر من الأبيات وقال ابن دريد هذا مما وضعه أبو عمر من عنده

فلما جاء أبو عمر ذكر له القاضى ما قال ابن دريد فطلب من القاضى أن يحضر له ما فى داره من دواوين العرب فلم يزل يأتيه بشاهد لما ذكره بعد شاهد حتى خرج من الثلاثين مسألة ثم قال وأما البيتان فإن ثعلبا أنشدناهما وأنت حاضر فكتبتهما فى دفترك فطلب القاضى دفتره فإذا هما فيه

فلما بلغ ذلك ابن دريد كف لسانه عن أبى عمر الزاهد حتى مات

توفى فى ثالث عشر ذى القعدة سنة خمس وأربعين وثلاثمائة ببغداد

157 محمد بن عبد الوهاب بن عبد الرحمن بن عبد الوهاب بن عبد الأحد الإمام الجليل القدوة الأستاذ أبو على الثقفى

الجامع بين العلم والتقوى والمتمسك من حبال الشريعة بالسبب الأقوى والسالك للطريقة التى لا عوج فيها والحاوى للصفات التى ليس سوى المصطفين الأخيار تصطفيها

قال فيه الحاكم الإمام المقتدى به فى الفقه والكلام والوعظ والورع والعقل والدين

قال وطلب العلم على كبر السن فإن ابتداءه كان التصوف والزهد والورع

وقال غيره كان إماما فى أكثر علوم الشرع مقدما فى كل فن عطل أكثر علومه واشتغل بعلم الصوفية وتكلم عليهم أحسن كلام وبه ظهر التصوف بنيسابور

سمع بنيسابور من محمد بن عبد الوهاب وأقرانه

وبالرى من موسى بن نصر وأقرانه

وببغداد من أحمد بن حيان بن ملاعب ومحمد بن الجهم السمرى وأقرانهما

روى عنه أبو بكر بن إسحاق وغيره من الأئمة

وتفقه على محمد بن نصر المروزى

ولقى فى التصوف أبا جعفر وحمدون القصار

قال الحاكم سمعت عبد الرحمن بن أحمد الصفار يقول سمعت أبا بكر ابن إسحاق يقول سمعت أبا القاسم الشيروانى يقول ما ولد فى الإسلام بعد رسول الله والصحابة رضى الله عنهم أعقل من أبى على الثقفى

وحكى أن أبى بكر الشبلى بعث رجلا من أهل العلم قاصدا إلى نيسابور وأمره أن يعلق مجلسى أبى على الثقفى بالغداة والعشى لسنة كاملة ويحملها إلى حضرته فحضر الرجل وكان يحضر المجلس بحيث لا يعلم به فى غمار الناس ويعلق كلامه فى المجلسين إلى أن تمت السنة فانصرف إلى بغداد وعرض على الشبلى تلك المجالس وقد أفرد منها مجالس الغدوات من مجالس العشى فتأملها الشبلى فقال كلام هذا الرجل بالغدوات فى علم الحقائق معجز وكلامه بالعشيات ردى فاسد بعيد عن تلك العلوم وذلك أنه كان يخلو ليله بسره فيصفو كلامه بالغدوات فقال له الشبلى هل رأيت بداره شيئا من الفرش والأوانى التى يتجمل بها أهل الدنيا فقال أما الفرش فنعم وكنت أرى طستا دمشقيا فى زاوية من زوايا البيت فصاح الشبلى ثم قال فهذا الذى يغير عليه أحواله

وروى بسنده إلى ابن خزيمة أنه استفتى فى مسائل فدعا بدواة ثم قال لأبى على الثقفى أجب فأخذ أبو على القلم وجعل يكتب الأجوبة ويضعها بين يدى ابن خزيمة وهو ينظر فيها ويتأمل مسألة مسألة فلما فرغ منها قال له يا أبا على ما يحل لأحد منا بخراسان أن يفتى وأنت حى

وروى عن أبى العباس ابن سريج أنه قال ما جاءنا من خراسان أفقه منه

وعن أبى عثمان الحيرى إنه لينفعنى فى نفسى إذا نظرت إلى خشوع هذا الفتى يعنى أبا على الثقفى رحمه الله

قال الحاكم توفى أبو على الثقفى ليلة الجمعة ودفن يوم الجمعة الثالث والعشرين من جمادى الأولى سنة ثمان وعشرين وثلاثمائة وهو ابن تسع وثمانين سنة

قال وشهدت الصلاة عليه ودفنه ولا أذكر أنى رأيت بنيسابور بعده مثل ذلك الجمع

قال وسمعته يقول فى دعائه إنك أنت الوهاب الوهاب الوهاب ولست أحفظ عنه غيرها

قلت ومن ذكائه حفظ هذا القدر فقد كان عمره يوم وفاة الثقفى سبع سنين وقد أطال الحاكم فى ترجمة الأستاذ أبى على وأجاد فيها

ومن كلمات أبى على رحمه الله

يا من باع كل شيء بلا شيء واشترى لا شيء بكل شيء

وقال أف من أشغال الدنيا إذا هى أقبلت وأف من حسراتها إذا هى أدبرت والعاقل من لا يركن إلى شيء إذا أقبل كان شغلا وإذا أدبر كان حسرة

وقال أربعة أشياء لابد للعاقل من حفظهن الأمانة والصدق والأخ الصالح والسريرة

وقال لو أن رجلا جمع العلوم كلها وصحب طوائف الناس لا يبلغ مبلغ الرجال إلا بالرياضة من شيخ أو إمام أو مؤدب ناصح ومن لم يأخذ أدبه من آمر له وناه يريه عيوب أعماله ورعونات نفسه لا يجوز الاقتداء به فى تصحيح المعاملات

وقال ليس شيء أولى بأن تمسكه من نفسك ولا شيء أولى بأن تغلبه من هواك

وقال من غلبه هواه توارى عنه عقله

وقال الغفلة وسعت على الخلق الطريق فى معايشهم وأفعالهم والورع واليقظة ضيقا عليهم ذلك

وقال من صحب الأكابر على غير طريق الحرمة حرم فوائدهم وبركات نظرهم ولا يظهر عليه من أنوارهم شيء

قال بعضهم حضرت مجلس أبى على فتكلم فى المحبة وأحوال المحبين وأنشد فى خلال تلك الأحوال

إلى كم يكون الصد فى كل ساعة ** وكم لا تملين القطيعة والهجرا

رويدك إن الدهر فيه كفاية ** لتفريق ذات البين فارتقبى الدهرا

ومن المسائل عنه رحمه الله

قال أبو عاصم إن لأبى على كتابا أجاب فيه عن الجامع الصغير لمحمد بن الحسن

وقال وفيه ذكر أنه إذا قال أنت طالق إن شئت فقالت شئت إن كان كذا أو إن شاء فلان

قال أبو حنيفة إن كان لشيء مضى وقع وإن كان بشيء مستقبل لم يقع وبطل خيارها

قال الثقفى فيه احتمالان أحدهما أنه يقع فى الحال إذا وجد فى المجلس والثانى أنه يقع فى الحالين إذا وجد فى المجلس أو بعده

وقال أبو على الزجاجى لا يقع بحال

قلت الاحتمالان غريبان وما ذكره الزجاجى هو المذهب ووراءه وجه فى الرافعى عن الحناطى أنه يصح تعليق المشيئة ويقع الطلاق إذا قال المعلق بمشيئته شئت ولكن لم يتعرض القائل لهذا الوجه إلى أنه هل يكون هذا دائما أو يختص بالمجلس وفقه أبى حنيفة دقيق

ونظير المسألة لو قالت الزوجة طلقنى بألف درهم فقال أنت طالق على الألف إن شئت

قال الأصحاب فى باب الخلع ليس بجواب لما فيه من التعليق بالمشيئة بل هو كلام يتوقف على مشيئة مستأنفة

قال القاضى الحسين فى أول باب صفة الصلاة من تعليقته بعد ما حكى قول أبى حنيفة أنه لو نوى فى بيته أنه يخرج يصلى فى المسجد صح وإن عزبت نيته بعده ما نصه سألت أبا على الثقفى عن هذا فقال عندنا أنه يجوز ذلك إذا لم يخطر بباله شيء آخر إلى أن يدخل فى الصلاة فلو كان الأمر كما ذكره لم يبق بيننا وبينه فيه خلاف

قلت أبو على الثقفى هذا رجل حنفى رآه القاضى حسين أما أبو على صاحبنا صاحب هذه الترجمة فلم يدركه أشياخ القاضى فضلا عنه نبهت عليه لئلا يقع فيه الغلط

158 محمد بن عثمان بن إبراهيم بن زرعة الثقفى مولاهم أبو زرعة

قاضى دمشق كانت داره بنواحى باب البريد

وولى قضاء مصر سنة أربع وثمانين ومائتين ولم يل بعده قضاء مصر ولا قضاء الشام إلا شافعى المذهب غير ابن خديم قاضى الشام فإنه كان أوزاعى المذهب ثم لم يزل الأمر للشافعية مصرا وشاما إلى أن ضم الملك الظاهر بيبرس فى سنة أربع وستين وستمائة القضاة الثلاثة إلى الشافعية

روى عنه الحسن الحصائرى وغيره

وكان رجلا رئيسا يقال إنه الذى أدخل مذهب الشافعى إلى دمشق وإنه كان يهب لمن يحفظ مختصر المزنى مائة دينار وكان قد قام مع أحمد بن طولون فى خلع أبى أحمد الموفق ووقف عند المنبر يوم الجمعة وقال أيها الناس أشهدكم أنى خلعت أبا أحمد كم يخلع الخاتم من الأصبع فالعنوه

فعل ذلك أبو زرعة بأمر أحمد بن طولون وكانت قد جرت وقعة بين ابن الموفق وبين خمارويه بن أحمد بن طولون تسمى وقعة الطواحين انتصر فيها أحمد بن الموفق ورجع إلى دمشق وكانت هذه الوقعة بنواحى الرملة فقال ابن الموفق لكاتبه أحمد بن محمد الواسطى انظر من كان يبغضنا فأخذ يزيد بن عبد الصمد وأبو زرعة الدمشقى والقاضى أبو زرعة مقيدين فاستحضرهم يوما فى طريقه إلى بغداد فقال أيكم القائل قد نزعت أبا أحمد فربت ألسنتهم ويئسوا من الحياة

قال أبو زرعة الدمشقى أما أنا فأبلست وأما يزيد فخرس وكان تمتاما وكان أبو زرعة محمد بن عثمان أحدثنا سنا فقال أصلح الله الأمير

فقال الواسطى قف حتى يتكلم أكبر منك

فقلنا أصلحك الله هو يتكلم عنا

فقال تكلم

فقال والله ما فينا هاشمى صريح ولا قرشى صحيح ولا عربى فصيح ولكنا قوم ملكنا يعنى قهرنا ثم روى أحاديث فى السمع والطاعة وأحاديث فى العفو والإحسان وكان هو المتكلم بالكلمة التى يطالب بها وقال إنى أشهدك إيها الأمير أن نسائى طوالق وعبيدى أحرار ومالى حرام إن كان فى هؤلاء القوم أحد قال هذه الكلمة ووراءنا حرم وعيال وقد تسامع الناس بهلاكنا وقد قدرت وإنما العفو بعد القدرة

فقال للواسطى أطلقهم أطلقهم لا كثر الله أمثالهم

قلت وهذا من حسن تصرفه فإنه هو القائل لا هم فصدقت يمينه

قال ابن زولاق ولى أبو زرعة مصر سنة أربع وثمانين ومائتين وكان يذهب إلى قول الشافعى ويوالى عليه وكان عفيفا شديد التوقف فى إنفاذ الأحكام وله مال كثير وضياع كبار بالشام

قال وكان يرقى من وجع الضرس ويدفع إلى صاحب الوجع حشيشة توضع عليه فيسكن وكان يزن عن الغرماء الضعفى وربما أراد القوم النزهة فيأخذ الواحد بيد الآخر ويحضره إليه يطالبه فيقر له ويبكى فيرحمه القاضى ويزن عنه

قال ابن الحداد الفقيه رحمه الله سمعت منصور بن إسماعيل يقول كنت عند أبى زرعة القاضى فذكر الخلفاء فقلت له أيها القاضى يجوز أن يكون السفيه وكيلا

قال لا

قلت فولى امرأة

قال لا

قلت فأمينا

قال لا

قلت فشاهدا قال لا

قلت فيكون خليفة

قال يا أبا الحسن هذه من مسائل الخوارج

توفى أبو زرعة القاضى بدمشق سنة اثنتين وثلاثمائة

159 محمد بن على بن أحمد أبو العباس الأديب الكرجى بالجيم

نزيل نيسابور

أحد الأدباء العلماء الزهاد

تفقه عند أبى عبد الله الزبيرى بالبصرة

ولقى أبا محمد القتبى وأخذ عنه

وكان عالما بالفرائض أحد المؤذنين بنيسابور مقدما فى التأديب

وممن تأدب عليه أبو عبد الله الحافظ وذكره فى تاريخه وحكى عنه أورادا نهارية جليلة من صلاة وقراءة قد كان يعانيها مع شغل التأديب وذكر أنه اختلف إليه أربع سنين فلما رآه أفطر إلا فى يومى العيد وأيام التشريق

وسمع من أبى خليفة وعبدان الأهوازى وأقرانهما

روى عنه الحاكم وسمع منه مختصر الزبيرى

توفى فى ذى الحجة سنة ثلاث وأربعين وثلاثمائة

160 محمد بن على بن إسماعيل القفال الكبير الشاشى

الإمام الجليل أحد أئمة الدهر ذو الباع الواسع فى العلوم واليد الباسطة والجلالة التامة والعظمة الوافرة

كان إماما فى التفسير إماما فى الحديث إماما فى الكلام إماما فى الأصول إماما فى الفروع إماما فى الزهد والورع إماما فى اللغة والشعر ذاكرا للعلوم محققا لما يورده حسن التصرف فيما عنده فردا من أفراد الزمان

قال فيه أبو عاصم العبادى هو أفصح الأصحاب قلما وأثبتهم فى دقائق العلوم قدما وأسرعهم بيانا وأثبتهم جنانا وأعلاهم إسنادا وأرفعهم عمادا

وقال الحليمى كان شيخنا القفال أعلم من لقيته من علماء عصره

وقال فى كتابه شعب الإيمان فى الشعبة السادسة والعشرين فى الجهاد إمامنا الذى هو أعلى من لقينا من علماء عصرنا صاحب الأصول والجدل وحافظ الفروع والعلل وناصر الدين بالسيف والقلم والموفى بالفضل فى العلم على كل علم أبو بكر محمد بن على الشاشى

وقال الحاكم أبو عبد الله هو الفقيه الأديب إمام عصره بما وراء النهر للشافعيين وأعلمهم بالأصول وأكثرهم رحلة فى طلب الحديث

وقال الشيخ أبو إسحاق الشيرازى كان إماما وله مصنفات كثيرة ليس لأحد مثلها وهو أول من صنف الجدل الحسن من الفقهاء وله كتاب فى أصول الفقه وله شرح الرسالة وعنه انتشر فقه الشافعى بما وراء النهر

وقال ابن الصلاح القفال الكبير علم من أعلام المذهب رفيع ومجمع علوم هو بها عليم ولها جموع

قلت سمع القفال من ابن خزيمة وابن جرير وعبد الله المدائنى ومحمد بن محمد الباغندى وأبى القاسم البغوى وأبي عروبة الحرانى وطبقتهم

روى عنه أبو عبد الله الحاكم وقال ورد نيسابور مرة على ابن خزيمة ثم ثانيا عند منصرفه من العراق ثم وردها على كبر السن وكتبنا عنه غير مرة ثم اجتمعنا ببخارى غير مرة فكتبت عنه وكتب عنى بخط يده

وروى أيضا عنه أبو عبد الرحمن السلمى وأبو عبد الله الحليمى وابن مندة وأبو نصر عمر بن قتادة وغيرهم

وذكر الشيخ أبو إسحاق أنه درس على ابن سريج

قال ابن الصلاح والأظهر عندنا أنه لم يدركه

وقال الحافظ أبو القاسم بن عساكر بلغنى أنه كان مائلا عن الاعتدال قائلا بالاعتزال فى أول مرة ثم رجع إلى مذهب الأشعرى

قلت وهذه فائدة جليلة انفرجت بها كربة عظيمة وحسيكة فى الصدر جسيمة وذلك أن مذاهب تحكى عن هذا الإمام فى الأصول لا تصح إلا على قواعد المعتزلة وطالما وقع البحث فى ذلك حتى توهم أنه معتزلى واستند المتوهم إلى ما نقل أن أبا الحسن الصفار قال سمعت أبا سهل الصعلوكى وسئل عن تفسير الإمام أبى بكر القفال فقال قدسه من وجه ودنسه من وجه أى دنسه من جهة نصرة مذهب الاعتزال

قلت وقد انكشفت الكربة بما حكاه ابن عساكر وتبين لنا بها أن ما كان من هذا القبيل كقوله يجب العمل بالقياس عقلا وبخبر الواحد عقلا وأنحاء ذلك فالذى نراه أنه لما ذهب إليه كان على ذلك المذهب فلما رجع لابد أن يكون قد رجع عنه فاضبط هذا

وقد كنت أغتبط بكلام رأيته للقاضى أبى بكر فى التقريب والإرشاد وللأستاذ أبى إسحاق الإسفراينى فى تعليقه فى أصول الفقه فى مسألة شكر المنعم وهو أنهما لما حكيا القول بالوجوب عقلا عن بعض فقهاء الشافعية من الأشعرية قالا اعلم أن هذه الطائفة من أصحابنا ابن سريج وغيره كانوا قد برعوا فى الفقه ولم يكن لهم قدم راسخ فى الكلام وطالعوا على الكبر كتب المعتزلة فاستحسنوا عباراتهم وقولهم يجب شكر المنعم عقلا فذهبوا إلى ذلك غير عالمين بما تؤدى إليه هذه المقالة من قبيح المذهب

وكنت أسمع الشيخ الإمام رحمه الله يحكى ما أقوله عن الأستاذ أبى إسحاق مغتبطا به فأقول له يا سيدى قد قاله أيضا القاضى أبو بكر ولكن ذلك إنما يقال فى حق ابن سريج وأبى على بن خيران والإصطخرى وغيرهم من الفقهاء الذاهبين إلى ذلك الذين ليس لهم فى الكلام قدم راسخ أما مثل القفال الكبير الذى كان أستاذا فى علم الكلام وقال فيه الحاكم إنه أعلم الشافعيين بما وراء النهر بالأصول فكيف يحسن الاعتذار عنه بهذا

فلما وقفت على ما حكاه ابن عساكر انشرحت نفسى له وأوقع الله فيها أن هذه الأمور أشياء كان يذهب إليها عند ذهابه إلى مذهب القوم ولا لوم عليه فى ذلك بعد الرجوع

وفى شرح الرسالة للشيخ أبى محمد الجوينى أن أصحابنا اعتذروا عن القفال نفسه حيث أوجب شكر المنعم بأنه لم يكن مندوبا فى الكلام وأصوله

قلت وهذا عندى غير مقبول لما ذكرت

وقد ذكر الشيخ أبو محمد بعد ذلك فى هذا الكتاب أن القفال أخذ علم الكلام عن الأشعرى وأن الأشعرى كان يقرأ عليه الفقه كما كان هو يقرأ عليه الكلام وهذه الحكاية كما تدل على معرفته بعلم الكلام وذلك لا شك فيه كذلك تدل على أنه أشعرى وكأنه لما رجع عن الاعتزال وأخذ فى تلقى علم الكلام عن الأشعري فقرأ عليه على كبر السن لعلى رتبة الأشعرى ورسوخ قدمه فى الكلام وقراءة الأشعرى الفقه عليه تدل على علو مرتبته أعنى مرتبة القفال وقت قراءته على الأشعرى وأنه كان بحيث يحمل عنه العلم

قال الشيخ أبو إسحاق مات القفال سنة ست وثلاثين وثلاثمائة

قال ابن الصلاح وهو وهم قطعا

قلت أرخ الحاكم أبو عبد الله وفاته فى آخر سنة خمس وستين وثلاثمائة بالشاش وهو الصواب

ومولده فيما ذكره ابن السمعانى سنة إحدى وتسعين ومائتين فيكون عمره حين توفى ابن سريج سبع سنين ويكون قد جاوز العشرين يوم موت الأشعرى بسنوات على الخلاف فى وفاة الأشعرى

ومن الرواية عنه

حدثنى الحافظ أبو سعيد خليل بن كيكلدى العلائى من لفظه بالقدس الشريف أخبرنا القاسم بن المظفر عن محمود بن إبراهيم أخبرنا محمد بن أحمد المقدر أخبرنا أبو عمرو عبد الوهاب أخبرنا أبى الحافظ محمد بن إسحاق حدثنا محمد بن على الشاشى حدثنا ابن أبى داود حدثنا إسحاق عن شاذان حدثنا سعيد عن الحسن بن عمارة عن عمرو بن مرة عن سعيد بن المسيب عن أنس بن مالك رضى الله عنه قال سمعت النبى يقول وأنا رديف أبى طلحة ‏(‏ لبيك بحجة وعمرة معا ‏)‏

ومن نظم القفال وقد اختصر شيخنا الذهبى وأكثر من ترجمة على قوله فيما رواه البيهقى عن عمر بن قتادة أنه قال أنشدنا أبو بكر القفال لنفسه

أوسع رحلى على من نزل ** وزادى مباح على من أكل

نقدم حاضر ما عندنا ** وإن لم يكن غير بقل وخل

فأما الكريم فيرضى به ** وأما البخيل فمن لم أبل

ووقفت له أنا على قصيدة طنانة وكلمة بديعة شأنها عجيب وأنا موردها إن شاء الله

أخبرنا يونس بن إبراهيم بن عبد القوى الدبابيسى إجازة قال أخبرنا أبو الحسن على بن أبى عبد الله بن المقير كتابة عن الحافظ أبى الفضل ابن ناصر قال كتب إلى أبو عبد الله محمد بن أبى نصر بن عبد الله الحميدى أخبرنا الشيخ أبو يعقوب يوسف بن إبراهيم بن منصور الشاشى قدم علينا بغداد ونحن بها قراءة عليه أخبرنا الحافظ أبو طاهر محمد بن على بن محمد بن بويه الزراد قراءة عليه وأنا حاضر أسمع ببنج ده مروالروذ فى مدرسة مرست قال سمعت الشيخ الإمام أبا عبد الله الحسين بن الحسن الحليمى يقول أخبرنى عبد الملك بن محمد الشاعر أنه كان فيمن غزا الروم من أهل خراسان وما وراء النهر عام النفير وفيهم يومئذ أبو بكر محمد بن على ابن إسماعيل القفال إمام المسلمين فوردت من نقفور عظيم الروم على المسلمين قصيدة ساءتهم وشقت عليهم لما كان اللعين أجرى إليهم فيها من التثريب والتعيير وضروب الوعيد والتهديد وكان فى ذلك الجمع غير واحد من الأدباء والفصحاء والشعراء من كور خراسان وبلاد الشام ومدائن العراق فلم يكمل لجوابها من بينهم إلا الشيخ أبو بكر القفال وأخبر عبد الملك هذا أنه أسر بعد وصول جواب الشيخ إليهم فلما بلغ قسطنطينية اجتمع أحبارهم عليه يسألونه عن الشيخ من هو ومن أى بلد هو ويتعجبون من قصيدته ويقولون ما علمنا أن فى الإسلام رجلا مثله وأن الواردة من نقفور عليه لعائن الله تعالى كانت باسم الفضل الإمام المطيع الله أمير المؤمنين رحمه الله وهى

من الملك الطهر المسيحى رسالة ** إلى قائم بالملك من آل هاشم

أما سمعت أذناك ما أنا صانع ** بلى فعداك العجز عن فعل حازم

فإن تك عما قد تقلدت نائما ** فإنى عما همنى غير نائم

ثغوركم لم يبق فيها لوهنكم ** وضعفكم إلا رسوم المعالم

فتحنا ثغور الأرمنية كلها ** بفتيان صدق كالليوث الضراغم

ونحن جلبنا الخيل تعلك لجمها ** ويلعب منها بعضها بالشكائم

إلى كل ثغر بالجزيرة آهل ** إلى جند قنسرينكم والعواصم

وملطى مع سميساط من بعد كركر ** وفى البحر أصناف الفتوح القواصم

وبالحدث البيضاء جالت عساكرى ** وكيسوم بعد الجعفرى المعالم

ومرعش أذللنا أعزة أهلها ** فصارت لنا من بين عبد وخادم

وسل بسروج إذ خرجنا بجمعه ** تميد به تعلو على كل قائم

وأهل الرها لاذوا بنا وتحزموا ** بمنديل مولى جل عن وصف آدم

وصبح رأس العين منا بطارق ** ببيض عدوناها بضرب الجماجم

ودارا وميافارقين وأردنا ** صبحناهم بالخيل مثل الضراغم

وملنا على طرسوس ميلة غابن ** أذقناهم فيها بحز الحلاقم

وإأقريطش مالت إليها مراكبى ** على ظهر بحر مزبد متلاطم

فحزناهم أسرا وسيقت نساؤهم ** ذوات الشعور المسبلات الفواحم

هناك فتحنا عين زربة عنوة ** بهم فأبدنا كل طاغ وظالم

نعم وفتحنا كل حصن ممنع ** فسكانه نهب النسور القشاعم

إلى حلب حتى استبحنا حريمها ** وهدم منها سورها كل هادم

وكم ذات خدر حرة علوية ** منعمة الأطراف غرثى المعاصم

سبينا وسقنا خاضعات حواسرا ** بغير مهور لا ولا حكم حاكم

وكم من قتيل قد تركنا مجندلا ** يصب دما بين اللها واللهازم

وكم وقعة فى الدرب ذاقت كماتكم ** فسقناكم سوقا كسوق البهائم

وملنا إلى أرتاحكم وحريمها ** بمعجزة تحت العجاج السوالم

فأهوت أعاليها وبدل رسمها ** من الأنس وحشا بعد بيض نواعم

إذا صاح فيها البوم جاوبه الصدى ** وأسعده فى النوح نوح الحمائم

وأنطاك لم تبعد على وإننى ** سألحقها يوما بنزوة حازم

ومسكن آبائى دمشق وإنه ** سيرجع فيها ملكها تحت خاتمى

أياقطنى الرملات ويحكم ارجعوا ** إلى أرض صنعاكم وأرض التهائم

ومصر سأفتحها بسيفى عنوة ** وأحرز أموالا بها فى غنائمى

وكافور أغزوه بما يستحقه ** بمشط ومقراض ومص المحاجم

ألا شمروا يا آل حران ويلكم ** أتتكم جيوش الروم مثل الغمائم

فإن تهربوا تنجوا كراما أعفة ** من الملك المغرى بترك المسالم

شمروا يا آل بغداد ويلكم ** فملككم مستضعف غير دائم

رضيتم بأن الديلمى خليفة ** فصرتم عبيدا للعبيد الديالم

فعودوا إلى أرض الحجاز أذلة ** وخلوا بلاد الروم أهل المكارم

سألقى بجيشى نحو بغداد سالما ** إلى باب طاق ثم كرخ القماقم

فأحرق أعلاها وأهدم سورها ** وأسبى ذراريها على رغم راغم

ومنها إلى شيراز والرى فاعلموا ** خراسان قصدى بالجيوش الصوارم

فأسرع منها نحو مكة سائرا ** أجر جيوشا كالليالي السواجم

فأملكها دهرا سليما مسلما ** وأنصب كرسيا لأفضل عالم

وأغزو يمانا أو بلاد يمامة ** وصنعاءها مع صعدة والتهائم

وأتركها قفرا يبابا بلاقعا ** خلاء من الأهلين أرض المعالم

وأسرى إلى القدس التى شرفت لنا ** عزيزا مكينا ثابتا للدعائم

ملكنا عليكم حين جار قويكم ** وعاملتم بالمنكرات العظائم

قضاتكم باعوا جهارا قضاءهم ** كبيع ابن يعقوب ببخس دراهم

شيوخكم بالزور طرا تشاهدوا ** وبالبز والبرطيل فى كل عالم

سأفتح أرض الشرق طرا ومغربا ** وأنشر دين الصلب نشر العمائم

ثم ذكر ثلاثة أبيات لم أستجز حكايتها

فأجاب الشيخ الإمام القفال الشاشى رحمه الله قائلا

أتانى مقال لامرئ غير عالم ** بطرق مجارى القول عند التخاصم

تخرص ألقابا له جد كاذب ** وعدد أثارا له جد واهم

وأفرط إرعادا بما لا يطيقه ** وأدلى ببرهان له غير لازم

تسمى بطهر وهو أنجس مشرك ** مدنسة أثوابه بالمداسم

وقال مسيحى وليس كذاكم ** أخو قسوة لا يحتذى فعل راحم

وليس مسيحيا جهولا مثلثا ** يقول لعيسى جل عن وصف آدم

وما الملك الطهر المسيحى غادرا ** ولا فاجرا ركانة للمظالم

تثبت هداك الله إن كنت طالبا ** لحق فليس الخبط فعل المقاسم

ولا تتكبر بالذى أنت لم تنل ** كلابس ثوب الزور وسط المقاوم

تعدد أياما أتت لوقوعها ** سنون مضت من دهرنا المتقادم

سبقت بها دهرا وأنت تعدها ** لنفسك لا ترضى بشرك المساهم

وما قدر أرتاح ودارا فيذكرا ** فخارا إذا عدت مساعى القماقم

وما الفخر فى ركض على أهل غرة ** وهل ذاك إلا من مخافة هازم

وهل نلت إلا صقع طرسوس بعد أن ** تسلمتها من أهلها كالمسالم

ومصيصة بالغدر قتلت أهلها ** وذلك فى الأديان إحدى العظائم

ترى نحن لم نوقع بكم وبلادكم ** وقائع يثنى ذكرها فى المواسم

مئين ثلاثا من سنين تتابعت ** ندوس الذرى من هامكم بالمناسم

ولم تفتح الأقطار شرقا ومغربا ** فتوحا تناهت فى جميع الأقالم

أتذكر هذا أم فؤادك هائم ** فليس بناس كل ذا غير هائم

ومن شر يوم للفتى هيمانه ** فيا هائما بل نائما شر نائم

ولو كان حقا كل ما قلت لم يكن ** علينا لكم فضل وفخر مكارم

فمنكم أخذنا كل ما قد أخذتم ** وأضعاف أضعاف له بالصماصم

طردناكم قهرا إلى أرض رومكم ** فطرتم من السامات طرد النعائم

لجأتم إليها كالقنافذ جثما ** أدلاهم عن حتفه كل حاطم

ولولا وصايا للنبى محمد ** بكم لم تنالوا أمن تلك المجاثم

فأنتم على خسر وإن عاد برهة ** إليكم حواشيها لغفلة قائم

ونحن على فضل بما فى أكفنا ** وفخر عليكم بالأصول الجسائم

ونرجو وشيكا أن يسهل ربنا ** لرد خوافى الريش تحت القوادم

وعظمت من أمر النساء وعندنا ** لكم ألف ألف من إماء وخادم

ولكن كرمنا إذ ظفرنا وأنتم ** ظفرتم فكنتم قدوة للألائم

وقلت ملكناكم بجور قضاتكم ** وبيعهم أحكامهم بالدراهم

وفى ذاك إقرارا بصحة ديننا ** وأنا ظلمنا فابتلينا بظالم

وعددت بلدانا تريد افتتاحها ** وتلك أمان ساقها حلم حالم

ومن رام فتح الشرق والغرب ناشرا ** لدين صليب فهو أخبث رائم

ومن دان للصلبان يبغى به الهدى ** فذاك حمار وسمه فى الخراطم

وليس وليا للمسيح مثلث ** فيرجوه نقفور لمحو المآثم

وعيسى رسول الله مولود مريم ** غذته كما قد غذيت بالمطاعم

وأما الذى فوق السموات عرشه ** فخالق عيسى وهو محيى الرمائم

وما يوسف النجار بعلا لمريم ** كما زعموا أكذب به قول زاعم

وإنجيلهم فيه بيان لقولنا ** وبشرى بآت بعد للرسل خاتم

وسماه بارقليط يأتى بكشف ما ** أتاهم به من حمله غير كاتم

وكان يسمى بابن داود فيهم ** بحيث إذا يدعى به فى التكالم

وهل أمسك المنديل إلا لحاجة ** وهل حاجة إلا لعبد وخادم

وإن كان قد مات النبى محمد ** فأسوة كل الأنبياء الأعاظم

وعيسى له فى الموت وقت مؤجل ** يموت له كالرسل من آل آدم

فإن دفعوا هذا فقد عجلوا له ** وفاة بصلب وارتكاب صيالم

صيالم من إكليل شوك وأحبل ** يجر بها نحو الصليب ولاطم

وإن يك أولاد لأحمد جرعوا ** شدائد من أسر وجز جماجم

فعيسى على ما تزعمون مجرع ** من القتل طعما مثل طعم العلاقم

ويحيى وزكريا وخلق سواهما ** أكارم عند الله نجل أكارم

تولتهم أيدى الطغاة فلم تنل ** قضاياهم من ذاك وصمة واصم

فمن مبلغ نقفور عنى مقالتى ** جوابا لما أبداه من نظم ناظم

لئن كان بعض العرب طارت قلوبهم ** أو ارتد منهم حشوة كالبهائم

لقد أسلمت بالشرق هند وسندها ** وصين وأتراك الرجال الأعاجم

بتدبير منصور بن نوح وجنده ** وأشياخه أهل النهى والعزائم

وإن تك بغداد أصيبت بملكها ** وصارت عبيدا للعبيد الديالم

فللحق أنصار ولله صفوة ** يذودون عنه بالسيوف الصوارم

فمن عرب غلب ملوك بغالب ** ومن عجم صيد ملوك بهازم

فبالدين منهم قائم أى قائم ** وللملك منهم هاشم أى هاشم

جزى الله سيف الدولة الخير باقيا ** وأكرمه بالفاضلات الكرائم

وألبس منصور بن نوح سلامة ** تدوم له ما عاش أدوم دائم

هما أمنا الإسلام من كل هاضم ** وصانا بناء الدين عن كل هادم

ومن مبلغ نقفور عنى نصيحة ** بتقدمة قدام عض الأباهم

أتتك خراسان تجر خيولها ** مسومة مثل الجراد السوائم

كهول وشبان حماة أحامس ** ميامن فى الهيجاء غير مشائم

غزاة شروا أرواحهم من إلاههم ** بجناته والله أوفى مساوم

فإن تعرضوا فالحق أبلج واضح ** معالمه مشهورة كالمعالم

تعالوا نحاكمكم ليحكم بيننا ** إلى السيف أن السيف أعدل حاكم

سيجرى بنا والله كاف وعاصم ** لنا خير واف للعباد وعاصم

ونرجو بفضل الله فتحا معجلا ** ننال بقسطنطين ذات المحارم

هناك ترى نقفور والله قادر ** ينادى عليه قائما فى المقاسم

ويجرى لنا فى الروم طرا وأهلها ** وأموالها جمعا سهام المغانم

فيضحك منا سن جذلان باسم ** ويقرع منه سن خزيان نادم

وإن تسلموا فالسلم فيه سلامة ** وأهنا عيش للفتى عيش سالم

وقول القفال فى جوابه إن نقفور تشبع بما لم يعط صحيح فإنه افتخر بأخذهم سروج والآخذ لها غيره من الروم وكذلك جزيرة إقريطش إنما أخذها ملك الروم أرمانوس بن قسطنطين وكل ذلك قبل سنة اثنتين وخمسين وثلاثمائة وإنما تملك نقفور اللعين سنة اثنتين وخمسين وثلاثمائة

ونقفور هو الدمستق فتح المصيصة بالسيف ثم سار إلى طرسوس فطلب أهلها الأمان ودخلها وجعل الجامع اصطبلا لدوابه وصارت بأيديهم فيما أحسب إلى سنة إحدى وستين وسبعمائة فتحها الأمير سيف الدين بيدمر الخوارزمى حال نيابته بحلب أحسن الله جزاءه

وأما سيف الدولة بن حمدان فقد كانت له الآثار الجميلة إذ ذاك وغزا الروم فى سنة تسع وثلاثين وثلاثمائة فى ثلاثين ألفا وفتح حصونا عديدة وقتل وسبى وغنم ثم أخذ الروم عليه الدرب واستولوا على عسكره قتلا وأسرا وله معهم حروب يطول شرحها

والمنديل المشار إليه كان من آثار عيسى بن مريم عليه السلام عند أهل الرها يتبركون به فحاصرها إلى أن صالحوه وسلموه إليه

وقد وقفت للفقيه أبى محمد ابن حزم الظاهرى على جواب عن هذه القصيدة الملعونة أجاد فيه وكأنه لم يبلغه جواب القفال

فمن جواب أبى محمد

من المحتمى بالله رب العوالم ** ودين رسول الله من آل هاشم

محمد الهادى إلى الله بالتقى ** وبالرشد والإسلام أفضل قائم

عليه من الله السلام مرددا ** إلى أن يوافى البعث كل العوالم

إلى قائل بالإفك جهلا وضلة ** على النقفور المنبرى فى الأعاجم

دعوت إماما ليس من أمر آله ** بكفيه إلا كالرسوم الطواسم

دهته الدواهى فى خلافته كما ** دهت قبله الأملاك دهم الدواهم

ولا عجب من نكبة أو ملمة ** تصيب الكريم الحر وابن الأكارم

ولا عجب من نكبة أو ملمة ** تصيب الكريم الحر وابن الأكارم

ولو أنه فى حال ماضى جدوده ** لجرعتم منه سموم الأراقم

عسى عطفة لله فى أهل دينه ** تجدد منهم دارسات المعالم

فخرتم بما لو كان فهم يريكم ** حقائق دين الله أحكم حاكم

إذن لعرتكم خجلة عند ذكره ** وأخرس منكم كل قيل مخاصم

سلبناكم دهرا ففزتم بكرة ** من الدهر أفعال الضعاف العزائم

فطرتم سرورا عند ذاك ونخوة ** كفعل المهين الناقص المتعاظم

وما ذاك إلا فى تضاعيف غفلة ** عرتنا وصرف الدهر جم الملاحم

ولما تنازعنا الأمور تخاذلا ** ودالت لأهل الجهل دولة ظالم

وقد شغلت فينا الخلائف فتنة ** لعبدانهم من تركهم والديالم

بكفر أياديهم وجحد حقوقهم ** لمن رفعوه من حضيض البهائم

وثبتم على أطرافنا عند ذلكم ** وثوب لصوص عند غفلة نائم

ألم ننتزع منكم بأيد وقوة ** جميع بلاد الشام ضربة لازم

ومصر وأرض القيروان بأسرها ** وأندلسا قسرا بضرب الجماجم

ألم تنتصف منكم على ضعف حالها ** صقلية فى بحرها المتلاطم

أحلت بقسطنطينة كل نكبة ** وسامتكم سوء العذاب الملازم

مشاهد تقديساتكم وبيوتها ** لنا وبأيدينا على رغم راغم

أما بيت لحم والقمامة بعدها ** بأيدى رجال المسلمين الأعاظم

وكرسيكم فى أرض إسكندرية ** وكرسيكم فى القدس فى أورشالم

ضممناهم قسرا برغم أنوفكم ** كما ضمت الساقين سود الأداهم

وكرسى أنطاكية كان برهة ** ودهرا بأيدينا وبذل الملاغم

فليس سوى كرسى رومة فيكم ** وكرسى قسطنطينة فى المقادم

ولابد من عود الجميع بأسره ** إلينا بعزم قاهر متعاظم

أليس يزيد حل وسط دياركم ** على باب قسطنطينة بالصوارم

ومسلمة قد داسها بعد ذاكم ** بجيش لهام كالليوث الضراغم

وأخدمكم بالذل مسجدنا الذى ** بنى فيكم فى عصرنا المتقادم

إلى جنب قصر الملك فى أرض ملككم ** ألا هذه حقا صريمة صارم

وأدى لهارون الرشيد مليككم ** إتاوة مغلوب وجزية غارم

سلبناكم مسرى شهورا بقوة ** حبانا بها الرحمن أرحم راحم

إلى أرض يعقوب وأرياف دومة ** إلى لجة البحر البعيد المحارم

فهل سرتم فى أرضنا قط جمعة ** أبى الله ذاكم يا بقاة الهزائم

فما لكم إلا الأمانى وحدها ** بضائع نوكى تلك أضغاث حالم

رويدا يعد نحو الخلافة نورها ** ويكشف مغبر الوجوه السواهم

وحينئذ تدرون كيف فراركم ** إذا صدمتكم خيل جيش مصادم

على سلف العادات منا ومنكم ** ليالى أنتم فى عداد الغنائم

سبيتم سبايا ليس يكثر عدها ** وسبيكم فينا كقطر الغمائم

فلو رام خلق عدها رام معجزا ** وأنى بتعداد لريش الحمائم

بأبناء حمدان وكافور صلتم ** أراذل أنجاس قصار المعاصم

دعى وحجام أتوكم فتهتم ** وما قدر مصاص دماء المحاجم

ليالى قدناكم كما اقتاد جازر ** جماعة أتياس لحز الحلاقم

وسقنا على رسل بنات ملوككم ** سبايا كما سيقت ظباء الصرائم

ولكن سلوا عنا هرقلا ومن خلا ** لكم من ملوك مكرمين قماقم

يخبركم عنا المتوج منكم ** وقيصركم عن سبينا كل آيم

وعما فتحنا من منيع بلادكم ** وعما أقمنا فيكم من مسالم

ودع كل نذل منتم لا تعده ** إماما ولا من محكمات الدعائم

فهيهات سامرا وتكريت منكم ** إلى جبل تلكم أمانى هائم

متى يتمناها الضعيف ودونها ** تطاير هامات وحز الغلاصم

ومن دون بغداد سيوف حديدة ** ميسرة للحرب من آل هاشم

محلة أهل الزهد والخير والتقى ** ومنزلة محتلها كل عالم

دعوا الرملة الغراء عنكم ودونها ** من المسلمين الصيد كل ملازم

ودون دمشق كل جيش كأنه ** سحائب طير تنتحى بالقوادم

وضرب يلقى الروم كل مذلة ** كما ضرب الضراب بيض الدراهم

ومن دون أكناف الحجاز جحافل ** كقطر الغيوث الهاملات السواجم

بها من بنى عدنان كل سميذع ** ومن حى قحطان كرام العمائم

ولو قد لقيتم من قضاعة عصبة ** لقيتم ضراما فى يبيس الهشائم

إذا صبحوكم ذكروكم بما خلا ** لهم معكم من مأزق متلاحم

زمان يقودون الصوافن نحوكم ** ليبغوا يسارا منكم فى المغانم

سيأتيكم منهم قريبا عصائب ** تنسيكم تذكار أخذ العواصم

وأموالكم فئ لهم ودماؤكم ** بها يشتفى حر النفوس الحوائم

وأرضكم حقا سيقتسمونها ** كما فعلوا دهرا بعدل المقاسم

ولو طرقتكم من خراسان عصبة ** وشيراز والرى القلاع القوائم

لما كان منكم عند ذلك غير ما ** عهدنا لكم ذل وعض الأباهم

فقد طال ما زاروكم فى بلادكم ** مسيرة عام بالخيول الصلادم

وأما سجستان وكرمان والألى ** بكابل حلوا فى ديار البراهم

فمغزاهم فى الهند لا يعرفونكم ** بغير أحاديث لذكر التهازم

وفي فارس والسوس جمع عرموم ** وفي أصبهان كل أروع عازم

فلو قد أتاكم جمعهم لغدوتم ** فرائس للآساد مثل البهائم

وبالبصرة الزهراء والكوفة التى ** سمت وبأدنى واسط كالكظائم

جموع تسامى الرمل جم عديدهم ** فما أحد ينوى لقاهم بسالم

ومن دون بيت الله مكة والتى ** حباها بمجد للثريا ملازم

محل جميع الأرض منها تيقنا ** محلة سفل الخف من فص خاتم

دفاع من الرحمن عنها بحقها ** فما هو عما كر طرف برائم

بها دفع الأحبوش عنها وقبلهم ** بحصباء طير من ذرا الجو حائم

وجمع كموج البحر ماض عرمرم ** حمى سرة البطحاء ذات المحارم

ومن دون قبر المصطفى وسط طيبة ** جموع كمسود من الليل فاحم

يقودهم جيش الملائكة العلا ** كفاحا ودفعا عن مصل وصائم

فلو قد لقيناكم لعدتم رمائما ** بمن فى أعالى نجدنا والحضارم

وباليمن الممنوع فتيان غارة ** إذا ما لقوكم كنتم كالمطاعم

وفى حلتى أرض اليمامة عصبة ** مغاور أنجاد طوال البراجم

سنفنيكم والقرمطيين دولم ** يعود لميمون النقيبة حازم

خليفة حق ينصر الدين حكمة ** ولا يتقى فى الله لومة لائم

إلى ولد العباس تنمى جدوده ** بفخر عميم أو لزهر العباشم

ملوك جرى بالنصر طائر سعدهم ** فأهلا بماض منهم وبقادم

محلتهم فى مجلس القدس أو لدى ** منازل بغداد محل الأكارم

وإن كان من عليا عدى وتيمها ** ومن أسد أهل الصلاح الحضارم

فأهلا وسهلا ثم نعمى ومرحبا ** بهم من خيار سالفين أقادم

هم نصروا الإسلام نصرا مؤزرا ** وهم فتحوا البلدان فتح المراغم

رويدا فوعد الله بالصدق وارد ** بتجريع أهل الكفر طعم العلاقم

سنفتح قسطنطينة وذواتها ** ونجعلكم قوت النسور القشاعم

ونملك أقصى أرضكم وبلادكم ** ونلزمكم ذلك الجزى والمغارم

ونفتح أرض الصين والهند عنوة ** بجيش بأرض الترك والخزر حاطم

مواعيد للرحمن فينا صحيحة ** وليست كأمثال العقول السقائم

إلى أن يرى الإسلام قد عم حكمه ** جميع البلاد بالجيوش الصوارم

يا مخذول دين مثلث ** بعيد عن المعقول بادى المآثم

تدين لمخلوق يدين عبادة ** فيا لك سحقا ليس يخفى لكاتم

أنا جيلكم مصنوعة بتكاذب ** كلام الألى فيما أتوا بالعظائم

وعود صليب لا تزالون سجدا ** له يا عقول الهاملات السوائم

تدينون تضلالا بصلب إلهكم ** بأيدى يهود أرذلين ألائم

إلى ملة الإسلام توحيد ربنا ** فما دين ذى دين لنا بمقاوم

وصدق رسالات الذى جاء بالهدى ** محمد الآتى برفع المظالم

وأذعنت الأملاك طوعا لدينه ** ببرهان صدق ظاهر فى المواسم

كما دان فى صنعاء يا لك دولة ** وأهل عمان حيث رهط الجهاضم

وسائر أملاك اليمانين أسلموا ** ومن بلد البحرين قوم اللهازم

أجابوا لدين الله دون مخافة ** ولا رغبة تحظى بها كف عادم

فحلوا عرى التيجان طوعا ورغبة ** لحق يقين بالبراهين ناجم

وحاباه بالنصر المليك إلاهه ** وصير من عاداه تحت المناسم

فقير وحيد لم تعنه عشيرة ** ولا دفعوا عنه شتيمة شاتم

ولا عنده مال عتيد لناصر ** ولا دفع مرهوب ولا لمسالم

ولا وعد الأنصار دنيا تخصهم ** بلى كان معصوما لأعظم عاصم

فلم تمتهنه قط هوة آسر ** ولا مكنت من جسمه يد لاطم

كما يفترى زورا وإفكا وضلة ** على وجه عيسى منكم كل آثم

على أنكم قد قلتم هو ربكم ** فيالضلال فى الحماقة جاثم

أبى الله أن يدعى له ابن وصاحب ** ستلقى دعاة الكفر حالة نادم

ولكنه عبد نبى مكرم ** من الناس مخلوق ولا قول زاعم

أيلطم وجه الرب تبا لجهلكم ** لقد فقتم فى جهلكم كل ظالم

وكم آية أبدى النبى محمد ** وكم علم أبداه للشرك حاطم

تساوى جميع الناس فى نصر حقه ** فللكل من إعظامه حال خادم

فعرب وأحبوش وترك وبربر ** وفرس بهم قد فاز قدح المساهم

وقبط وأنباط وخزر وديلم ** وروم رموكم دونه بالقواصم

أبوا كفر أسلاف لهم فتحنفوا ** فآبوا بحظ فى السعادة جاثم

به دخلوا فى ملة الحق كلهم ** ودانوا لأحكام الإله اللوازم

به صح تفسير المنام الذى أتى ** به دانيال قبله ختم خاتم

وسند وهند أسلموا وتدينوا ** بدين الهدى فى رفض دين الأعاجم

وشق لنا بدر السموات آية ** وأشبع من صاع له كل طاعم

وسالت عيون الماء فى وسط كفه ** فأروى به جيشا كثير القماقم

وجاء بما تقضى العقول بصدقه ** ولا كدعاو غير ذات قوائم

عليه سلام الله ما ذر شارق ** تعاقبه ظلماء أسحم عاتم

براهينه كالشمس لا مثل قولكم ** وتخليطكم فى جوهر وأقانم

لنا كل علم من قديم ومحدث ** وأنتم حمير ذاهبات المحازم

أتيتم بشعر بارد متخاذل ** ضعيف معانى النظم جم البلاغم

فدونكها كالعقد فيه زمرد ** ودر وياقوت بإحكام حاكم

ذكر نخب وفوائد ومسائل وغرائب عن القفال الكبير

‏.‏ ‏.‏ ‏.‏ ‏.‏ ‏.‏ ‏.‏ ‏.‏ ‏.‏ ‏.‏ ‏.‏ ‏.‏ ‏.‏ ‏.‏ ‏.‏ ‏.‏ ‏.‏ ‏.‏ ‏.‏ ‏.‏ ‏.‏ ‏.‏ ‏.‏ ‏.‏